سفر المخيم

حازم السيد – نشرت باسم وجد شعلان – المجلة الالكترونية لتنسيقية مخيم اليرموك

سفر المخيم

سفر المخيم

تتخذ مخيمات السوريين اليوم هيئة السفن، ولعل قماشها من أشرعة سفن الزمن القديم، بل وستجد في أعلاها ما يشبه العلم، إنه لوغو مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. هذا ليس مجازاً، لقد تحقق هذا الشتاء عندما فاضت المياه لتغمر خيام النازحين في الزعتري.

في هذه المخيمات، لا يجد اللاجئ عموداً يسنده سوى سيجارته، فهي الأقدر على مغالبة الانتظار، وحدها من يستطيع تبديد غبار الوقت. في المخيم لا شيء مهم سوى تلك الحقيبة التي تحفظ قوت العمر، شهادات، أموال، صور، في المخيم لا شيء إلا الانتظار، انتظار ذلك الخبر، انتظار العودة. في المخيم يشاطرك الوطن تلك المساحات الضئيلة، ينام في خيمتك، يعتدي على حيزك، فلا يدعك تنام.

للسوريين اليوم موقعان، إما الثورة وإما المخيم، ملايين السوريين يعيشون الانتظار، يفقدون الانتماء لمنازلهم وماضيهم، يفقد حاضرهم أبعاده ليبقى المستقبل معلقاً، يغدو الوطن ضيفاً ثقيلاً على حياتهم، يشاركهم أدق تفاصيل حياتهم، ينكدها. ملايين السوريين اليوم يستجدون الوقت ويخلقون من انتظارهم أرباباً من تمر. وحدهم المنخرطون في الثورة لا يفعلون. يحاربون الوقت. يعيدون تدويره. يعجنون الوطن. يعبثون به، علهم يتعلمون الحياة !

لا يقتصر الأمر على اليوم، نعم، عشنا نكبتنا سنة 1963، و”نكستنا” سنة 1982 وها نحن نعيش الانتفاضة، كل هذه الأعوام وروحية المخيم قابعة فينا، ذلك التونسي قال “هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية”، كنا نسميه الانتظار، واليوم هو التاريخ، الربيع العربي إبان انطلاقته كان في جوهره لحظة ولادة، لقد ولدنا من رحم الديكتاتورية المظلم، قبل هذه الولادة لم يكن للوقت معنى، إنه الـ “هوس برصد الاحتمالات الكثيرة” أمام شاشات الأخبار ، لم يكن يعنينا أن يكون الانتماء للوطن من بين هذه الاحتمالات، لقد كان انتماءاً غريزياً للبقاء، من هذا العدم ولد البوعزيزي “ليخلق من جزمة أفقاً”.

لم نلحظ ذاك الشبه بين المخيم والسفينة إلا بعد انفجار الربيع، بدا مشابهاً لتلك السفينة المألوفة في الملاحم الهوليودية، تلك التي يبصر ركابها بعد عناء رحلة شاقة تمثال الحرية. بدا لنا أننا ندخل التاريخ ، فنحن اليوم نتألم لكل هذه التضحيات، ننتشي في تلك اللحظات الإبداعية التي تخلقها الثورة، نخجل من دم الشهداء، نشتعل ثأراً من هذا الصمت، ظننا أننا ندخل “مملكة الحواس”!

ولكن لمملكة الحواس أيضاً طاقتها، فكيف يمكن لهذا الوجد أن يحتمل، مجازر وصمت دولي وشبح التقسيم وفخ التطرف، كم نتمنى اليوم أن نستعيد تلك البلاهة، البلاهة التي تسمح لنا بالاستمرار في مزاولة الغريزة، مزاولة البقاء، والخوف كل الخوف أن ننجح في ذلك، فعندها ستتحول سوريا إلى سفينة تائهة في بحر المجهول، الشجاع من أبنائها من يفكر في القفز منها والبحث عن فرص النجاة والباقي يعاود ارتداء المخيم، يستهلك الانتظار بحثاً عن ضفة تحتويه بعد طول اغتراب.

كان لا بد من الثورة لمغادرة مخيم الاغتراب، ولا بد منها اليوم لمغادرة مخيم الاستلاب.