حوار مع الناشط عمر ادلبي

 حاوره: حازم السيدموقع مراسلون

“عسكرة الثورة أضعفت حضور التنسيقيات”

يشرح عمر الإدلبي في هذه المقابلة طبيعة نشاط لجان التنسيق المحلية، وعلاقتها مع المنظمات الثورية الأخرى الفاعلة على الأرض. عبر ظهوره على شاشات التلفزة أو من خلال كتاباته على صفحات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى عمله في لجان التنسيق المحلية وجولاته الميدانية في حمص، برز الإدلبي كأحد أنشط الوجوه الشبابية الموثقة للانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري.

الناشط عمر ادلبي

الناشط عمر ادلبي

ساهم عمر الإدلبي مع عدد من زملائه في تأسيس “لجان التنسيق المحلية” كإطار ثوري مدني حاضن للتنسيقيات الشبابية التي أفرزتها الثورة في مرحلتها السلمية. وعلى الرغم من قعقعة السلاح، يؤكد إدلبي في هذه المقابلة أن التنسيقيات لازالت المجموعات الثورية الأكثر فاعلية في تلبية نشاطات الثورة المدنية، وأنها استطاعت رفد مؤسسات الثورة بتجربتها الكبيرة، خصوصا في مجالات الإعلام والإغاثة وإدارة المناطق المحررة التي لا تخضع لسيطرة النظام.

موقع “مراسلون” التقى إدلبي ممثل لجان التنسيق المحلية في سوريا، وسأله عن التغيرات التي طرأت على هذا التنظيم مع دخول الثورة السورية عامها الثالث. وهنا نص المقابلة:

شكلت لجان التنسيق المحلية مصدراً أساسياً لأخبار الانتفاضة كما ساهمت في دعم وتوجيه الحراك الثوري في عدد من المدن والبلدات السورية، ما هي لجان التنسيق؟

مع انطلاق الحراك الثوري في آذار/مارس 2011 على يد ناشطين شباب معارضين وتحوله إلى ثورة شعبية عفوية عارمة بفعل القمع الدموي الذي اتخذه النظام منهجاً لإجهاض الحراك الثوري، لم يعد التنسيق البسيط الذي اعتمدناه أثناء التحضير للثورة كافيا لتنظيم هذه الانتفاضة، وظهرت الحاجة لتشكيل تنظيم قوي يستطيع ضبط الحراك الشعبي ميدانياً وتوجيهه سياسياً، فتشكلت لجان التنسيق المحلية في سوريا في الأسابيع الأولى من عمر الثورة كأول تنظيم ثوري له بنية منضبطة، وقيادة سياسية شبابية يتمتع أفرادها بخبرة سياسية وحقوقية وتنظيمية وإعلامية.

وبدأ التوسع الأفقي للجان من خلال انضمام عشرات المجموعات الشبابية من جميع المدن والمناطق السورية تحت مسمى “التنسيقيات” التي يقع على عاتقها مهمة الاجتماع والتخطيط والتنظيم للحراك الثوري على الأرض وفي نطاقها المحلي.

لم تكتف لجان التنسيق المحلية والتشكيلات الثورية الأخرى، بتنظيم الحراك ميدانياً واعلامياً، فقدمت بعد الثورة بشهرين فقط رؤيتها السياسية لحل الأزمة في سوريا، لتكون وثيقتها هذه أول مشروع مبادرة سياسية طرحت لحل هذه الأزمة.

وبفضل الهيكيلة التنظيمية المرنة والمنضبطة بآن معاً تمكنت لجان التنسيق المحلية من الحفاظ على أمن معظم ناشطيها حتى الآن، وحافظت بالتالي على تماسكها وبقائها رغم الحملات الأمنية الشرسة التي شنتها قوات الأمن وجيش النظام لضرب اللجان وتفكيكها.

هناك العديد من المنظمات الثورية التي تعمل على غرار لجان التنسيق وتحمل أسماء قريبة من اسمها، لدرجة يصعب على المتابع التفريق بينها. ما هي باختصار هذه المنظمات وهل ثمة فروقات بينها من الناحية التنظيمية والأديولوجية؟

نعم هناك عدة جهات ومنظمات ثورية على غرار لجان التنسيق المحلية، منها الهيئة العامة للثورة واتحاد التنسيقيات ومجالس الثورة، وهناك منظمات تختص بالشأن الإعلامي فقط، كشبكة شام وفلاش وأوغاريت.

تتعدد الاختلافات بين هذه القوى الثورية، فهي تختلف عن بعضها تنظيمياً من حيث البنية الهيكلية، كما تختلف من حيث التوجهات الأيديولوجية أيضاً، ورؤية كل منها لطبيعة نظام الحكم في الدولة مستقبلاً.

نحن تشكيل ثوري ذو توجه مدني، ورغم توجه معظم هذه المنظمات الثورية للعمل الثوري المسلح، حافظت لجان التنسيق المحلية على سلمية أنشطتها رغم أنها تنظر إلى الجيش السوري الحر على أنه مكون أساسي من مكونات الثورة السورية، وتحترم كفاح مقاتليه من أجل حماية المدنيين من جرائم النظام، والخلاص من هذا النظام، وتؤمن اللجان أن عسكرة الثورة بعد أن استمرت في سلميتها لأشهر طويلة أتت كرد فعل طبيعي ومحق ومشروع على جرائم النظام البشعة والتصعيد العنفي المستمر من قبله في مواجهة الحراك الثوري الشعبي.

من المعلوم أن لجان التنسيق تؤمن معدات وأموال للناشطين الإعلاميين العاملين معها، من أين تحصلون على المال؟

اعتمدت لجان التنسيق المحلية على مصادر تمويل متنوعة في تمويل أنشطتها لدعم تنسيقياتها ونشطائها ودعم الجهات الثورية الأخرى أيضاً وتقديم العون الاغاثي والطبي لمحتاجيه.

ويأتي معظم هذا التمويل من ناشطيها في لجان تنسيق المهجر، وهم من السوريين المقيمين في بلاد الاغتراب ومن ناشطينا الميسورين في داخل سوريا، بالإضافة إلى دعم منظمات المجتمع المدني العربية والدولية لمشاريع أنشطة مدنية سلمية وإغاثية وطبية،.

وهي في كل الأحوال مساهمات لا تكفي بسبب التهجير القسري الذي تسبب به قصف وتدمير مناطق واسعة من البلاد، ونضطر في حالات كثيرة للاستدانة من أصدقاء داعمين للثورة واللجان لتلبية متطلبات أنشطتنا وناشطينا.

الكثير من وسائل الإعلام تتبنى الأرقام التي تعطونها لعدد القتلى والجرحى. كيف تحصلون على هذه الأرقام؟

ينتشر ناشطونا في معظم المدن والمناطق والبلدات والأحياء والقرى السورية ولكل منهم وظيفة ومهمة، بعضهم يختص بنقل الخبر إعلامياً والتأكد منه وتوثيقه، وبعضهم يهتم بتوثيق الانتهاكات، وآخرون يهتمون بأمور تنظيم الحراك الثوري ميدانياً، وآخرون بالعمل الاغاثي وبالإضافة إلى جهد ناشطي اللجان نتعاون بشكل كبير مع الجهات الثورية والحقوقية والإعلامية الأخرى.

ولأن معظم ناشطينا من الشباب المدربين على هذا النوع من العمل فإن اللجان حازت ثقة وسائل الإعلام العربية والعالمية، وأصبحت تقاريرها الإعلامية والحقوقية مصدراً موثوقاً لمعظم المنظمات العالمية المهتمة بالشأن السوري.

عملنا وعمل جهات ثورية وحقوقية أخرى يصب في قناة واحدة، هدفها تأريخ وتوثيق أحداث الثورة، وتوصيل رسالة شعبنا إلى العالم، لاتنافس فيما بيننا، بل عمل يكتمل بجهود الجميع.

هل ثمة أخطاء في التوثيق وقعت فيها لجان التنسيق؟

 بالتأكيد حصلت أخطاء، فليس كل نشطائنا من أصحاب الخبرة، معظمهم علمته التجربة، وفي التجارب تحصل أخطاء دون شك، ولكني اعتقد أن أخطاء لجان التنسيق قليلة من حيث العدد ومن حيث التأثير، قياسا بغيرها من الجهات الثورية الأخرى.

كنا في البدايات نخطئ مثلاً في إحصاء عدد الشهداء والمعتقلين، وكنا نعود لتصحيح أخطائنا فور وصول معلومات أكثر دقة، ولكن مثل هذه الأخطاء أصبحت الآن بنسبة لا تكاد تذكر، مع اتباع إجراءات أكثر تنظيماً وصرامة في عملنا التوثيقي حقوقياً واعلامياً.

 هل تحاول التنسيقيات التأثير على جهات فاعلة في الثورة كصفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد” المسؤولة عن أسماء أيام الجمع، والتي تثير تسمياتها العديد من الخلافات في أوساط الثوار أنفسهم؟

كان لنا تجربة في التعاون مع مدراء صفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد” لاختيار أسماء أيام الجمعة استمرت لفترة طويلة، وتعثرت هذه التجربة منذ مدة لأسباب كثيرة، ولكننا عدنا مجدداً للتعاون معهم انطلاقاً من بداية العام الثالث للثورة، ونأمل أن يستمر ويتطور هذا التعاون.

نلاحظ أحيانا وجود أكثر من تنسيقية في المدينة الواحدة وبهويات مختلفة، بعضها مذهبي، وبعضها وطني، ما السبب؟

تعدد التنسيقيات في المنطقة الواحدة جاء نتيجة ضرورات أمنية، وساهم هذا التعدد في حماية شبكات الناشطين من الاختراق الأمني، هذا سبب. وللتعدد أسباب أخرى أيضاً، منها اختلاف التوجهات الأيديولوجية، وهو مجرد اختلاف، وليس خلافاً، والتعاون جيد بشكل دائم بين التنسيقيات مهما تنوعت توجهاتها، وتنقل الناشطين من تنسيقية إلى أخرى أمر دائم الحصول.

هل ساهمت عسكرة الثورة في تراجع حضور التنسيقيات؟

العسكرة المتزايدة للثورة ساهمت في ضعف حضور عدد من التنسيقيات، ولكنها لم تضعف كلياً. ما زالت التنسيقيات حتى الآن هي التنظيمات الأكثر فعالية على الأرض فيما يتعلق بالأنشطة الثورية المدنية، الاغاثية والطبية، والإعلامية، وفي شؤون تنظيم المظاهرات، والتوثيق الحقوقي، وفي تلبية الاحتياجات المعيشية وحل النراعات التي تنشأ بين المواطنين بسبب غياب مؤسسات الدولة، وتعمل هذه التنسيقيات بالتنسيق الكامل مع كتائب الجيش الحر والمجالس المحلية حيث توجد هذه المجالس، ومعظم ناشطي التنسيقيات هم أعضاء فاعلين وربما مؤسسين لهذه المجالس.

يندر أن تصدر لجان التنسيق المحلية بياناً سياسياً رفم أنها عرفت عدداً من الانشقاقات والخلافات السياسية. ما هي أسباب هذه الهشاشة السياسية؟

أخالفك الرأي في هذه القراءة، على الأقل بالنسبة للجان التنسيق المحلية، فنحن تنظيم ثوري يعمل في السياسة بكل جدية، ونواكب كل التطورات الداخلية والخارجية والسياسية ببيانات توضح موقفنا من كل حدث يتصل بشأن ثورتنا.

ربما تفتقر التنظيمات الثورية الأخرى لنشطاء ذوي خبرة بالعمل السياسي، أما بالنسبة للجان التنسيق فإن معظم قياداتها هم من ذوي التجارب في العمل السياسي المعارض ولسنوات طويلة قبل انطلاق الثورة، ويتواجد إلى جانبهم لتقديم النصح والمشورة مجموعة كبيرة من كبار رموز المعارضة السورية والمثقفين والاكاديميين، وتبقى قرارات اللجان ومواقفها مستقلة عن أي فصيل حزبي سياسي، وهذا الانخراط الكبير والجدي في العمل السياسي، والذي تجسد في مساهمة اللجان بتأسيس المجلس الوطني ولاحقا في تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عزز حضور اللجان كطرف ينهض بالعمل السياسي بروح ثورية وطنية.

هل تعتقدون بامكانية الوصول لحل سياسي للأزمة السورية؟

لا نعتقد أن النظام الذي قتل عشرات الاف السوريين طيلة عامين واعتقل مئات الالاف وهدم مدناً وهجّر ملايين السوريين سيتحول اليوم أو غداً إلى نظام يتجه لقبول الحل السياسي، ولكن يبقى الحل السياسي بالنسبة للجان التنسيق حلاً مقبولاً إن لبى مطالب الشعب السوري الثائر وحقق أهداف ثورته. نحن لسنا طلاب موت، نحن عشاق للحياة، على أن تكون حياة حرية، نطلب الحرية لشعبنا ولا نرفض حلا يحقق هذا الهدف. نقبل بالحل الذي يحفظ دماء السوريين وينتقل بهم إلى دولة الحريات والمواطنة ويحاسب المجرمين عن ارتكاب المجازر، ويسقط نظام الأسد الطاغية وأجهزته الأمنية والعسكرية القمعية، ويحفظ وحدة وسيادة سوريا.

تدعون إلى دولة مدنية بينما تظهر تنظيمات عديدة تتبنى أجندات متطرفة. هل تخشون أن يختطف التطرف الثورة؟

حذرنا مراراً وتكراراً من أن صمت المجتمع الدولي على مجازر نظام الأسد سيقود إلى نمو تيارات متطرفة كرد فعل متوقع على هذه الوحشية. ونحمل المجتمع الدولي مسؤولية مباشرة عن نمو هذه التيارات في سوريا، ولكننا لا نخشى من هذه التيارات والمجموعات على مستقبل سوريا وتعايش مكونات الشعب السوري، لأن المجتمع السوري مجتمع ينبذ التطرف ولا يمكن أن يكون بيئة حاضنة لمثل هذه الأفكار والتيارات، فهو مجتمع إسلامي معتدل، يقبل الآخر المختلف، ولا ينظر له كعدو.

هل تمكنت التشكيلات العسكرية المتطرفة من استقطاب ناشطي التنسيقيات؟

على الرغم من تحول بعض نشطاء الثورة إلى العمل مع هذه المجموعات المتشددة إلا أنهم لم يمارسوا تصرفات إقصائية بحق الآخرين، والحوادث الشاذة التي حصلت من قبل بعض هذه الجهات المتطرفة تبقى حالات فردية لا نخشى من تحولها إلى ظواهر عامة. المهم الان أن يجري تحرك جدي وفعلي لإيقاف جرائم النظام الإرهابية التي تتسبب في نمو هذه التيارات المتطرفة

ماهو تقديرك لحضوركم في المناطق المحررة، خصوصا التي تسيطر عليها تيارات اسلامية كالرقة حديثا؟

نتواجد بقوة في المناطق المحررة، وفي الرقة لنا تنسيقيات عدة منتشرة في أكثر من منطقة في الرقة وريفها، وتتواجد أيضا عدة تشكيلات ثورية مسلحة فيها ساهمت في تحرير المدينة، إذ لم تكن جبهة النصرة هي الجهة الوحيدة التي أنجزت هذه الخطوة المهمة. ونتعاون مع معظم القوى هناك لإنجاح تجربة إدارة المناطق المحررة بكفاءة.

بعد مرور سنتين على انطلاق الثورة السورية، ما هي المشاكل التي كان يمكن للثورة أن تتصدى لها وتخلفت عن ذلك؟

في الحقيقة وبكل انصاف، لم تترك قوى الثورة السورية مجالاً لم تنشط فيه، وحمل الناشطون أعباء اضافية لم تكن في الحسبان، كالعمل الاغاثي مثلاً، الذي فرضته ظروف التهجير ودمار مناطق واسعة وتقطيع أوصال المناطق من قبل حواجز قوات النظام. وكذلك العمل الطبي في مشافي ميدانية غير مجهزة بشكل كاف. ونستطيع القول أن ناشطينا نجحوا بنسبة كبيرة في هذا الاختبار القاسي، ولكن، وبسبب هذه الأعباء الإضافية، والمهام الصعبة التي تستهلك جهدهم ووقتهم، يبدو أننا قصرنا كثيرا في التوجه بخطابنا ورسالتنا التحررية الثورية إلى الرأي العام العالمي، ونحاول حالياً تعويض ما فاتنا في هذا المضمار.

كيف ترى مستقبل اللجان السياسي؟

مستقبل اللجان السياسي هو أمر متروك لنشطائها، لا نفكر حاليا بأي شي ولا يشغل بالنا شيء إلا العمل على تحقيق أهداف الثورة في اسقاط نظام الاستبداد والفساد وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، دولة حرية وكرامة ومواطنة لكل السوريين من مختلف الأديان والاعراق والمذاهب.