مداخلة مع صبحي حديدي – حوار ملتقى أمارجي

شغل الريف السوري مساحات واسعة على خارطة الثورة وشكل الرافعة الأكبر لها، وبخاصة في مراحلها الحرجة، وكان للمجتمع الأهلي الدور الأكبر في احتضان العنف الثوري وكافة الفعاليات الثورية، بل ساهم في بلورة بعض الفعاليات الثورية الإبداعية، وامتاز بحيوية جعلته عصياً على كافة القوالب الحزبية فبقي ملتزماً بالخطاب الذي بلوره جنين المجتمع المدني السوري، ولكن يوماً بعد يوم يتضح مدى هزالة المجتمع المدني السوري وتواضع خطابه وفوات مؤسساته، ويتضح مدى الخراب الذي هندسه النظام في المجتمع السوري، هذا عدا عن الكلام عن حقبة جديدة قائمة على ثقافة الصورة والخطاب التفاعلي وتفقد فيها مقولات الدولة والحزب والنخبة دروها الفاعل في التأثير على مجتمعاتها. وعدا عن الكلام عن تاريخ سوريا وبخاصة في مرحلتها البرلمانية التي عرفت تبعثراً سياسياً واستحالة تحول أي قوة سياسية إلى قيادة سياسية وقوة تغيير تاريخية. وعدا عن الكلام عن تنامي البعد السياسي لتكشيلات المقاومة العسكرية.  كل هذا إلى أين يمكن أن يقودنا؟ ألا يمكن أن تصل الصيرورة السورية إلى لحظة انفصال بين خطاب المجتمع المدني والمجتمع الأهلي ؟ هل يمكن للمجتمع المدني أن يقوم بإصلاح مشاكله لتجاوز هذا الهزال ؟  وألا يمكن اعتبار أن هذه الأرضية أرضية مناسبة لاختطاف الثورة من قبل قوى إسلامية سلطوية بهدف إعادة انتاج الاستبداد؟ ألا يقود ذلك إلى تحالف القوى الديموقراطية مع الغرب ويزيد من الاستقطابية المدمرة علماني- إسلامي ؟   وما هو السبيل الأنسب لمواجهة هذه المخاطر في ظل غياب مجتمع مدني قوي ؟ أم أننا مضطرون لانتظار مرحلة طويلة ريثما تنضح القوى المدنية؟

الأستاذ  صبحي حديدي:

* كل ما تثيره من أسئلة هو بمثابة أجندات عمل كبرى للمستقبل، القريب والوسيط والبعيد، ولا أزعم امتلاك إجابات شافية على ما سيتكشف من نجاحات وإخفاقات خلال سيرورات التعامل المباشر مع تلك الأجندات. أعرف، في المقابل، أننا لا نملك خيار التحكم في ولادة الظاهرات الموضوعية، من النوع الذي تشير إليه، ولكننا نملك الحق، والواجب قبله، في التعاطي مع تلك الظاهرات بهدف تطويعها وتذليل عوائقها وتحويل مخاطرها إلى برامج عمل يومية وتحديات إنجاز. إذا كان المجتمع المدني القوي غائباً، كما ترى، فمن الواجب البدء بخلقه، على دفعات بالطبع، إذْ لا رفاه لنا في عدم إطلاق مهمة كهذه. على هذا النحو، بمعنى آخر، أفهم العبارة الماركسية الشهيرة عن تغيير العالم، بعد التورط، القسري أو الإرادي، في رياضات تفسيره!