متشائم أو متفائل .. أنا مع القابون !

إعداد حازم السيد – نشرت باسم رئيف خليل
خاص بغرافيتي
القابون أو آبونا، مكان تجميع المياه بالسرياني، حي دمشقي عتيق يبعد عن ساحة المرجة ثلاثة كيلومترات ويعتبر واحداً من أهم العقد المرورية في العاصمة السورية، يمر فيه فرعا بردى، يزيد وتورا ليرويا ظمأ ما يقارب الخمسين ألف نسمة، عانى هذا الحي تهميشاً تاريخياً على الرغم من عراقته وتضاعف التهميش في زمن البعث، تخلت الدولة عن كل وظائفها، فلا مشفى ولا مدراس ولا أندية رياضية، والخدمات الوحيدة التي قدمتها الدولة للقابون هي السرقة والاستملاك، فعلى سبيل المثال ادعت السلطة أن لا ميزانية لبناء مدارس في الحي وطالبت أبناء الحي بتأجيرها عدد من المباني لجعلها مدارس وكلنها سرعان ما استملكت هذه المباني لتعوض أصحابها الحقيقيين بمبالغ تافهة كإيجار سنوي لا يزيد عن خمسين ألف ليرة سورية في أفضل الحالات كما الحال في مدرسة ميسون ومدرسة أحمد المدني.
عمل النظام على استملاك مساحات شاسعة من أراضي الحي، وقام ببناء الثكنات العسكرية للقوات الخاصة شمالاً ومحطات الوقود العسكرية شرقاً والشرطة العسكرية غرباً وكلية الشرطة المدنية وعدد كبير من الرحبات إضافة إلى فرع المخابرات العسكرية جنوباً ليتم حصار الحي من كل الجهات، إلا أن ذلك لم يتمكن من النيل من الروح الثائرة التي عرف بها أبناء الحي ، فقد شهد الحي عدداً من الانتفاضات المطلبية كانتفاضة التربة في عهد حافظ الأسد والتي انصاعت فيها السلطات لمطالب أهل الحي لإلغاء المشروع الذي كان مخططاً إقامته مكان المقبرة وانتفاضة الاوتوستراد الدولي حيث انتفض أهالي القابون مطالبين بإقامة الأنفاق على الأوتوستراد الذي يمر بالبلدة ويقسمها إلى قسمين ولم تنتهي التظاهرة حتى لبيت مطالبهم.
القابون في قلب الثورة
سارع القابون بالالتحاق في ركب الثورة، حيث اندلعت أولى مظاهراته في الخامس والعشرين من شهر آذار من السنة الماضية حيث انتفض الحي بأعداد كبيرة فاجأت النظام الذي جابهها بحله الأمني عبر حملة تشبيح واعتقالات واسعة بعد يومين من المظاهرة.
وعلى الرغم من احتلال القابون من قبل قوات الأمن والشبيحة، إلا أن شبابها لم يستسلموا، فأبدعوا في المظاهرات وطعموها بالأفكار الجديدة فحملوا مظلات الحرية، واحتفلوا بالأعياد على طريقة الثورة.
جمعة دمشقية عظيمة
رغم الحملات الأمنية استمر أهالي الحي بالتظاهر يومياً، الأمر الذي استفز النظام ومخابراته فجابهوا  المتظاهرين بتوسيع الحملات الأمنية والرصاص الحي، حيث أطلقوا الرصاص على آلاف المتظاهرين من أبناء الحي عندما حاولوا الوصول إلى ساحة العباسيين فاستشهد  سبعة أشخاص خمسة منهم من أهالي الحي ، لينال القابون شرف تقديم أول شهداء العاصمة في الجمعة العظيمة.
شهداء القابون فداءاً للمعارضة ولأسرى الحرية
انكسر حاجز الخوف لدى أهالي القابون كما الحال في باي المدن السورية، وخرج الألوف في المظاهرات السلمية أيام الجمعة ، الأمر الذي اعتبره النظام اختراقاً خطيراً لأهم معاقله، دمشق، وقد قامت قوات الأمن بقتل أربعة عشر شاباً خلال هجومهم على مظاهرة جمعة أسرى الحرية وأصيب العشرات بجروح خطيرة. وقد جاء هذا التصعيد رداً على محاولة الحي احتضان اجتماع وجوه المعارضة السورية في أحد مطاعمه. ولكن ذلك لم يتمكن من إسكات صوت أهالي القابون فخرج أكبر تشييع في دمشق حيث بلغ عدد المشيعين أربعين ألفاً من الأهالي من مختلف مناطق دمشق  وطوائفها، وهتفوا بصوت واحد (بالروح بالدم نفديك يا شهيد)..
ثورة مستمرة
شهد الحي عدداً من الحملات الأمنية الشرسة لإخماد جذوة الثورة السلمية فيه، كان أعنفها الحملة التي جرت بتاريخ 22 / 7 / 2011، حيث تم تطويق الحي بشكل كامل بأكثر من ثلاثة آلاف عنصر من الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، وتم استخدام الأسلحة الثقيلة من قاذفات آر بي جي ورشاشات ثقيلة، وتم نشر القناصة على أسطح المباني، وقاموا باعتقال ما يزيد عن 1500 شاب من أهالي الحي. لم تثن هذه الحملات أهل الحي عن ثورتهم فتابعوا نضالهم السلمي وبدأت تظهر بعض التعبيرات المسلحة الجنينية التي كانت تهدف إلى التخفيف من كلفة عمليات المداهمة والقضاء على ظاهرة التشبيح لتتطور إلى تشكيلات مسلحة قادرة على حماية الحي وعلى خوض معركة تحرير دمشق فيما بعد !
معركة تحرير دمشق
استمر الحال كذلك إلى أن عمل النظام على الانتقال إلى حالة من المجابهة الحربية مع شعبه في مدينة دمشق بعدما أعلن الجيش السوري الحر عن بداية معركة تحرير دمشق، فقد شهد حي القابون في ليلة 16 – 7- 2012 قصفاً بالدبابات ومدافع الهاون والطائرات الحربية واستمرت هذه الحملة لمدة خمسة أيام متوالية. بدأت الحملة بإطلاق نار كثيف واشتباكات عنيفة بين الجيش الأسدي والجيش السوري الحر في المناطق المناطق الطرفية من الحي ، وامتدّت هذه الاشتباكات إلى داخل الحي وعمل النظام على التمهيد لاقتحام الحي عبر نشر القناصة وقصف الحي بالهاون وبالدبابات وتمشيطه بالمروحيات ، وقد نجحت القوات النظامية باقتحام الحي في 20 / 7 / 2012 بعد تدمير الحي  ونزوح 90 بالمائة من أهله حيث لم يبق في الحي سوى حوالي 75 عائلة محاصرة. وقد عملت قوات النظام بعد اقتحام الحي على مداهمة المنازل وحرق الكثير منها بعد سلبها كما تم حرق الكثير من المحال التجارية والسيارات في منطقة البعلة وسوق التهريب، وتم تدمير وهدم ما يزيد عن مائتين وحدة صناعية في المنطقة الصناعية لتقدر الخسارات بما يزيد عن النصف مليار ليرة سورية ولتتسبب في مشكلة عطالة وبؤس معيشي يرزح تحته أبناء الحي حتى اليوم. والخسارة الأبلغ كانت في الشهداء الذين قدمهم الحي، حيث أسفرت الحملة عن ما يزيد عن المائة وأربعين شهيد، ما تم توثيقه من الأسماء بلغ 99 شهيداً، بينما هنالك أكثر من 40 شهيداً لم يتم التعرف عليهم بسبب التنكيل وتشويه جثامينهم، كما أن هناك عشرات المفقودين.
تسع وتسعون شهيداً أصبحوا اليوم أسماء القابون الحسنى والسبب الرئيسي لاستمرار ثورة القابون، تلك الثورة التي لم تهدأ رغم الأثمان الباهظة التي دفعها أبناء الحي، القابون اليوم مصمم على المضي في ثورته ولعل المروحية التي دفن القابون أشلاءها منذ أيام خير دليل على ذلك!
المصدر: القابون في قلب الثورة وينبض بها.. حكايته الكاملة  – تجمع أحرار القابون – زمان الوصل