في دلالات هتاف يلعن روحك يا حافظ

حازم السيد كتبت باسم مرهف الحمصي
خاص بغرافيتي
انطلقت الانتفاضة السورية في درعا، ,واحتلت هتافاتها المدى، شكلت هتافات  “الله سوريا حرية وبس”، “الموت ولا المذلة”، “الله أكبر” الهتافات المركزية في بدايات الانتفاضة، أراد السوريون أن يكون الهتاف الأول عنوان انتفاضتهم، وقد جاء كرد فعل على الشعار السلطوي “الله سوريا بشار وبس”، أرادوا من خلاله كسر صنمية السلطية، تلك الصنمية التي استحوذت على سوريا ولم تبقي لأبناء سوريا الحقيقيين إلا الغياب. أما الهتافين الآخرين فقد كانا بمثابة رد فعل مندهش ومتحدٍ للقمع المرعب الذي واجه به النظام انتفاضة درعا فحظي بمشهدية أشبه باحتراق بوعزيزي، ولكن هذه المرة لم يكن بو عزيزي وحيداً وإنما كان احتراقاً جماعياً لشباب درعا.
لم يتمكن الغضب من السيطرة على أرواح عموم السوريين منذ البداية وأدركوا تعقيدات انتفاضتهم وتواضع حضورهم فلم ينفجروا هاتفين “الشعب يريد إسقاط النظام”، بل وأتت الجرافات لتزيل جثامين الشهداء الذين سقطوا بعد اقتحام الأجهزة الأمنية و قطعان الشبيحة لاعتصام الساعة الشهير في حمص، لم يتمكن السوريون من احتلال الساحات والاعتصام فيها إذاً، فلم  يتمكن هتاف “ارحل” من احتلال ارواحهم.
واستمرت الحال كذلك، لم يستطع السوريون التماهي مع هتافات الربيع العربي إلا بعد شهور، فبعد تمادي القمع واتساع رقعة الانتفاضة وكسبها بعض الأنصار الدوليين احتل الغضب النفوس وانفجر السوريون في الساحات هاتفين “الشعب يريد إسقاط النظام”، سُعد السوريون بالهتاف ورددوه، ولكن الحديث عن الحوار وتفاعل طيف واسع من قوى وشخصيات المعارضة مع أطروحة الحوار  والقمع المهول الذي واجه به النظام شعبه واتضاح ضعف كفة الانتفاضة أعاق هذا الهتاف ومنعه من التحول إلى صدى الروح الثائرة، لتستمر الروح السورية في البحث عن هتافها المنشود.
*    *    *
زلزل هتاف “يلعن روحك يا حافظ” الميادين والشوارع والأزقة السورية وتمكن من التربع على سدة الحناجر على الرغم من نفور النخب السياسية والثقافية والكثير  من أبناء الكتلة الصامتة، لم يقتصر النفور على “شيوخ” النخبة بل إن تنظيمات شبابية ثورية رفضت الهتاف ودعت السوريين إلى تجنبه، تباينت حجج رفضه، بعضهم رأى فيه بعداً طائفياً وتمزيقاً للوحدة الوطنية، آخرون رأوا فيه تطاولاً على الشريعة والعقائد وقدسية الروح، كلها وجهات نظر وكلها تكتسي ببعض مشروعية ولكن الأكيد أن هذا الهتاف هو  “هتاف يقشعر له البدن” كما يصفه الكاتب اللبناني حازم صاغية، ولعل هذه القشعريرة وتلك النشوة التي يشعر بها السوري ترتبط في عقول الكثيرين من جيل آبائنا  ب”العيب والحرام” مثلها مثل أي نشوة.
 *    *    *
يلعن السوريون حافظ لأن عليهم كي تكتمل ثورتهم أن يغالبوا كافة التعقديات المجتمعية التي صاغتها الهندسة الاجتماعية الاسدية، فحافظ هو الذي هيكل الجيش والأجهزة الأمنية بحيث يضمن الولاء المطلق لجنرالاتها ليمنع السيناريو المصري والتونسي، حافظ الذي قام بمفصلة الجيش والأجهزة الأمنية مع عصبيات طائفية وعشائرية وعمل على تكريس هذه العصبيات والسيطرة على زعاماتها وإعادة صياغة بناها وما استدعاه ذلك من تماهي هذه العصبيات مع الاستبداد واستحالتها إلى مجرد أداة من أدواته وما يخلقه ذلك من تداعيات خطيرة على السلم الأهلي وعلى الوحدة الوطنية وما يتطلبه من درجة عالية لضبط النفس لدى كافة القوى الثورية.
يلعن السوريون حافظ لأن عليهم كي تنجح ثورتهم أن يغيروا المعادلة السياسية الأقليمية التي كان له دور أساسي في صياغتها، عليهم أن يواجهوا النظام اللبناني والأيراني والروسي، وأن يوجهوا ضربة قاضية “لمحور الممانعة” وفي الوقت نفسه ألا يتحولوا إلى أداة في يد “محور الاعتدال”  وأن يثبتوا للأوروبين والأميريكين أنهم اليوم أصبحوا القوة، وأن عليهم أن يبحثوا عن مصالحهم في ثنايا توجهات القوى الثورية.
يلعن السوريون حافظ لأنه خنق كل تعبيرات المجتمع المدني في الوقت الذي يحتاج فيه الثوار إلى بنى مؤسساتية قادرة على مواجهة تعقيدات الثورة وخفض ضريبتها، بل واضطرهم إلى زيادة تلك الضريبة عبر اللجوء للعنف والاستقواء بالأجنبي.
يلعن السوريون حافظ لأنه المهندس الذي استطاع أن يحول السوريين إلى عجينة وأن يحوّل “الجوهر  السوري” من “فسيفساء طائفية وقومية” و “مركز العالم القديم” و “قلب العروبة النابض”إلى عقبة تحول دون عودتهم إلى “فطرة الحرية” كما ولدتهم أمهاتهم.
*    *    *
ألحق السوريون مؤخراً هتافهم المحبب بلاحقة غير مؤدبة فباتوا يهتفون “يلعن روحك يا حافظ .. على هالجحش الخلفتو (الحمار الذي أنجبته)”، يندب السوريون حظهم، حتى الديكتاتور الذي يسقطونه ليس بالهيبة المعتادة، بل إن الإعلام ما برح يصفه بالطبيب الوسيم والمتحضر، تطالبهم ثورتهم بالمستحيل ولكنها في المقابل لا تمنحهم متعة إسقاط ديكتاتور يحظى بالهيبة والحض
ور الذي حظي به حافظ و صدام أو ستالين و هتلر، ديكتاتور غير عسكري، يلثغ بالأحرف، ولا يكف عن القاء النكت في خطبه، ديكتاتور السوريين لا يحرمهم من ضحكاته، ديكتاتور السوريين يتحول ناسياً نفسه إلى استاذ في المنطق ليشرح لشعبه مبررات قرارته، بل وديكتاتور لا يقنع مؤيديه الذين طالبت شرائح منهم على شبكات التواصل الاجتماعي بعودته إلى العيادة كي يسلم لأخيه العسكري ماهر القيادة.
يهتف السوريون هذا الهتاف على أنغام شبيهة بما ينشده الالتراس في مباراة حامية الوطيس وضمن طقوس احتفالية تذكرنا بالقبائل اللاتينية يتخللها القفز وتشكيل حلقات الرقص، وهم في الوقت نفسه غالباً ما يلحقونه بهتافات آخرى من نوع “يا الله ما لنا غيرك يا الله (يا الله ليس لنا سواك)”، “على الجنة رايحين ، شهداء بالملايين”. من لا يعرف سوريا سيسكنه تناقض غريب، فهو سيظن أن هذه الهتافات الاستشهادية ناتجة عن هول المواجهة مع الأجهزة القمعية، إلا أنه سيتساءل إن كانت الحال كذلك فلماذا يهتفون هتافاً من نوع “يلعن روحك” بل ويلحقونه بلاحقات ساخرة وتهكمية لا يمكن إلا أن تزيد هول المواجهة.
أغلب الظن أن هول المواجهة لم يعد يرعب السوريين، فقد ركّب السوريون للرصاصة سراج وأدمنوا الموت على اعتبار أنه الدرب الوحيد الذي يمشي بهم إلى الحياة. وأن هذا التراكب السحري بين الهتافات الساخرة والهتافات الاستشهادية وبين مشاهد القفز وحلقات الرقص والأجواء الجنائزية هو مؤشر آخر أن السوريين يعون أن ثورتهم لا تواجه ديكتاتوراً بقدر مواجهتها لسوريا الأسد.
 *    *    *
احتفظ منذ طفولتي بذاكرة غريبة عن حافظ الأسد، إنه رجل يدخّن ما يزيد عن مائة لفافة من لفافات التبغ الوطنية الغتّة والثقيلة على الحنجرة. في منزلنا، كان والدي المدخن الوحيد في العائلة، كان قليل الكلام، هادئاً وصارماً في الوقت نفسه، أفعاله تبدو لي أنا الجاهل حازمةً وحكيمة، وله على منزلنا سطوة كلية القدرة، كان حضوره يعني بشكل من الأشكال غيابي، كنت أمازح أمي مثلاً أو اشتكي لها أو أتفف منها، ولكن  في غياب أبي، أما في حضوره فأسارع إلى ارتداء قالب الطفل المهذب الوديع المطيع، كان أيضاً دائم التدخين، لا يخلو فمه من السيكارة وكانت هذه السيكارة بالنسبة لي السبب الوحيد لصرامة والدي وهيبته وحزمه وهدوئه، كل هذه الصفات على الرغم من أن والدي لا يدخن إلا عشرين سيكارة في اليوم، فكيف الحال مع رجل يدخن ما يزيد عن مائة سيكارة !
قتل “الأب القائد” هو ما يحكم علاقة السوريين بحافظ، ووحده حضورهم الكلي ما سيطرد روحه، وكل الأمل ألا ينتقل السوريون إلى حالة الشعور بالذنب، التي تعقب قتل الأب عادةّ، ليعيدوا إنتاج روحه ويتماهوا معها، فيعيدوا إنتاج بطريركيتها وما يستتيعه ذلك من إعادة إنتاج الدمعة على وجه الأم سوريا.