صيادو الماء العكرون !

حازم السيد -خاص بغرافيتي
أعلنها النظام منذ البداية حرباً مفتوحة، ورد ذلك على لسان رأس النظام في خطابه الأوله وما فتئ يؤكد عليه في باقي خطبه، حاولت الانتفاضة في البداية تجنيب سوريا ضريبة التغيير الباهظة عبر انتهاج السبل السلمية ومن ثم بدأت باللجوء إلى عسكرة الانتفاضة تدريجياً دفاعاً عن النفس وملجأ للمنشقين عن الحيش النظامي وعسى أن يكون السلاح مقدمة لحل سياسي يحفظ الوطن ويؤمن له المستقبل الديموقراطي ولكن ذلك لم ينفع مع النظام الذي أبى إلا أن يسلك سلوكاً قذافياً ظاناً أنه يستطيع أن يؤمن الغطاء السياسي والاقتصادي إلى ما لا نهاية وأن الشعب يمكن أن يتراجع عن مطلبه في الحرية والكرامة، أجبر هذا السلوك الانتفاضة إلى إعلان حرب التحرير الشعبية ليغلق الباب على كل حل سياسي ولتضطر سوريا على تحمل ضريبة ثورة لعلها أعنف الثورات في العالم وأعمقها!
تخوض الانتفاضة اليوم أعنف مواجهاتها، تزداد المناطق المحررة ويزداد وزن سلاح الجيش الحر ويصبح من الصعوبة بمكان على جيش النظام أن يقتحم براً، الجيش الحر يصمد ويتوسع في حلب ويحرر دير الزور وادلب ويخوض المواجهات في أغلب بقاع سوريا. وفي مواجهة ذلك انتقل النظام إلى مرحلة جديدة عنوانها المجازر اليومية والقصف الجوي والإعدمات الميدانية والفتن الطائفية.

المعادلة رغم كل ذلك هي اليوم في ابسط أشكالها، لعسكرة الانتفاضة ضريبتها الكبيرة على سوريا، ولكن لبقاء النظام ضريبة أكبر ، وما من خيار بديل عن العكسرة، والرهان كله قائم على الشعب السوري الذي تمكن من الصمود واجتراح أساليب بالغة الذكاء والجدة والإبداع في مقاومة النظام والحفاظ على وحدته وعدم الانجرار إلى مستنقع الطائفية، هذا الشعب هو وحده القادر على ضبط العسكرة وتخفيف كلفتها وإعادة تفكيكها لإذابتها في دولة الإرادة الشعبية.
ولكن وفي الوقت نفسه الذي يخوض فيه الشعب أعنف مواجهة في تاريخه يطل علينا بعض مثقفي اليسار من أمثال جورج غالاوي وروبرت فيسك و نسخهم العربية المشوهة كأسعد أبو خليل وعبد الباري عطوان وغيرهم ليلعبوا دور الغراب وليقوموا بالتشويه والتشويش والنعيق المستمر ، فالصحفي العريق روبرت فيسك يزاول نشاطه الصحفي في سوريا وكأنه يغطي أخبار العطلة الصيفية في سويسرا، يذهب اينما شاء ويغطي ما يريد، ألم يسائل نفسه ما سبب ثقة النظام به، يبدو السؤال سخيفاً بعد النتائج التي يصل إليها  ففي تقريره عن داريا والمجزرة التي ارتكبها “الإرهابيون” لا يحتاج إلا لمسات بسيطة ليصل إلى حرفية مذيعة الدنيا الحضارية ميشلين عازار! ، وأما تقريره عن السجون السورية التي لا تحتضن إلا السلفيين و الإرهابين فلم تنقصه إلا خبرة السينمائي المعتقل عروة النيربية ليصبح فيلماً تسجيلياً عظيماً !
جورج غالاوي يتساءل كيف نؤيد ثورة مرتهنة للبترودولار والنيوليبرالية، تساؤله مشروع وخصوصاً أنه يخرج علينا بتوقيت القدس من قناة الميادين، التي يتم تمويلها من الجمعيات الخيرية بعملاتٍ طبع عليها صور لغيفارا وبوليفار ، يقول كلمة الحق رغم كل الضغوطات والمصاعب، رغم عداء مؤسسي الميادين لملهمه .. صدام حسين !
من انتمى للثورة وللحرية والكرامة كان مثل ” ‫جاك بيريز ، طبيب في السبعين من عمره وواحد من مؤسسي أطباء بلا حدود ، تطوع لتقديم العون الطبي في القصير والمشافي الميدانية في شهر شباط كما الآن في مدينة حلب ،تحدث الى العالم عن الويلات التي رآها ، عن نقص الدواء والجثث المرمية ، عن نقص المعونات الأنسانية والمدنية ،عن الحصار الذي يفرضه النظام على مواطنيه”  الفرق بين هكذا إنسان وبين جوروج غالاوي وروبرت فيسك “الذي قرر أن يزور السجون السورية برفقة السجان والمدن المنكوبة على متن دبابة ، يشبه الفرق بين من يتطوع للدفاع عن وطنه أو ما يؤمن به وبين المرتزقة اللذين تستأجرهم قوى الطغيان في العالم للدفاع عن طغيانها !‬ “‬
الثورة اليوم ماضية في طريقها، بثبات تجرّف ما تبقى من النظام، ولهذه العملية ضجيجها وأخطاؤها وضريبتها، قد لا يستطيع من يقود الجرافة أن يستمع إلى كلام المهندس، وقد يضطر إلى الارتجال وخصوصاً إن استقال المهندس ولكن من يتم تجريف بقاياه لن نستكثر عليه الردح والصراخ!
* الاقتباسات من تعليق للناشطة رولا الروكبي من صفحتها على فيسبوك