حلب، شهباء بالشهداء

صورة لمدينة حلب - رويترز

صورة لمدينة حلب – رويترز

حازم السيد – نشرت باسم يوسف برهان

خاص بغرافيتي
لمحة ديموغرافية
حلب حالياً هي الأكثر كثافةً سكانياً في القطر، مع تعداد وصل حتى 2,301,570  نسمة وفق إحصاء مجلس المدينة في أواخر العام 2005. تسكن المدينة أعراق متنوعة تضم العرب و الأكراد والأرمن والشركس والتركمان،85% من سكان حلب تقريبا هم من المسلمين السنة عرباً وأكرداً، وسكان حلب من الديانة المسيحية هم التجمع الثاني من حيث الحجم بعد مدينة بيروت (بين 10% و15%) في المنطقة، وتحتضن بين جنباتها حوالى 45 كنيسة.
التاريخ السياسي : 
أضحت حلب جزءاً من الإمبراطورية العثمانية عام 1516، وكانت مركز ولاية حلب وعاصمة سوريا وحاضرة تجارية تصل الشرق بالغرب. وقد ذاع صيت حلب في تلك الفترة لدرجة أم ويليم شكسبير  قد ذكرها في مسرحيتين، ماكبث وعطيل.
تضاءل الدور الاقتصادي لحلب بعد افتتاح قناة السويس، وحاول أتاتورك ضم حلب إلى تركيا ، وقد دعم أهلها النضال التركي بدايةً ضد الفرنسيين ولكن ذلك عزز الحصار عليها ، حيث تم فصها عن الأناضول، الأسوأ من ذلك، تمثل في معاهدة سايكس – بيكو التي قسمت بلاد الشام، واكتمل الحصار بسلخ لواء الاسكندرونة عام 1939 لتحرم حلب من محيطها التجاري في منطقة الأناضول ومن ميناءها الرئيسي في اسكندرونة.
شاركت حلب في معركة الاستقلال التي خاضها السورييون ضد المحتل الفرنسي،حيث قاد ابراهيم هنانو  ثوار الشمال في معركتهم ضد الانتداب الفرنسي والتي عرفت بالثورة السورية الكبرى.
شهدت حلب في مرحلة ما بعد الاستقلال،نشاطاً سياسياً لافتاً، فكان رئيس أول حكومة وطنية سعد الله الجابري كما نشأ في حلب العديد من الأحزاب والحركا كحزب الشعب بقيادة رشدي كيخيا وناظم القدسي وحركة الإخوان المسلمون في سوريا. وفي مرحلة البعث، شكلت حلب الحاضنة الرئيسية لحركة الأخوان المسلمين في نزاعها المسلح مع النظام السوري بين عامي 1979 و1982وشهدت جامعتها في تلك المرحلة نشاطاً طلابياً مميزاً احتفى بالإسلاميين واليساريين.
حلب في الثورة
شهدت المدينة عدداً من الأحداث بعدَ اندلاع الثورة السورية، فقد خرجت أول مظاهرة مناهضة لنظام الأسد في “جمعة العزة” بتاريخ 25 آذار 2011، ثمَّ أصبحت المظاهرات فيها حدثاً شبه أسبوعيّ أو حتى يومي، وأخذت بالتوسع شيئاً فشيئاً، ولو أنها لم تصل إلى قوة حركة الاحتجاجات في باقي مناطق سوريا. وقد حاول النشطاء والتتنسيقيات تأجيج الحراك الاحتجاجي في حلب حيث قاموا بمموعة من المبادرات كـ “بركان حلب” في تاريخ 30 يونيو 2011 “أربعاء بدر حلب”  بتاريخ 17 أغسطس 2011 فخرجت مظاهرات ضخمة وصل خلالها الثوار إلى ساحة سعد الله الجابري في قلب المدينة، وفي يوم الثلاثاء 6 سبتمبر خرجت أضخم مظاهرة ضد النظام في تاريخ المدينة من الجامع الأموي وذلك في تشييع مفتي حلب إبراهيم السلقيني.
وتدريجياً بدأت تتوسع المظاهرات في المدينة وشكل جامع آمنة بنت وهب في حي صلاح الدين عنواناً للمتظاهرين حيث كانت تخرج منه المظاهرات بشكل دوري وأخذت الحركات الاحتجاجية تتوسع وتتجذر في أحياء صلاح الدين والصاخور وبستان القصر والمرجة وقد ساهمت انتفاضة الريف المسلحة في توسيع رقعة التظاهر وزيادة زخم الاحتجاجات في المدينة ولكن لتبقى دون المستوى الذي يسمح بتسمية حلب بالمدينة المنتفضة.
 
حلب في أم المعارك
أصبحت حلب اليوم عاصمة لانتفاضة الكرامة،فالجيش الحر أصبح اليوم في قلب حلب، بل ويسيطر تدريجياً على أغلب أحيائها ليخوض ما أسماه إعلام النظام “أم المعارك”، ويبدو جلياً أن هذه المعركة هي أحدى أهم مشاهد فصل الختام، حيث شهد الجيش الحر  قبل بداية المعركة حركة توحيد لكافة كتائبه تحت مسمى لواء التوحيد، ولم يباشر زحفه نحو قلب المدينة إلا بعد سيطرته على أغلب مناطق الريف الحلبي كمنبج والباب وإعزاز وعندان وغيرها من مدن الريف الشمالي وبعد سيطرته على ثلاثة معابر حدودية وبعد تدمير حاجز عندان وهو ما يشكل نقلة نوعية هامة من خلال توفيره ممراً آمنا بين حلب وتركيا لتأمين احتياجات المدينة عسكرياً وغذائياً وطبياً، الصراع في حلب اليوم في أوجه ولعله أكبر نقلة نوعية تعيشها الثورة  وقد يساهم في تفكك النظام أو اتخاذ الغرب لخطوات جدية في سبيل اسقاط النظام بعد أن خسر حلب التي كانت تعد أهم معاقله.
وقد تساهم هذه المعركة في إكساب حلب المشروعية الثورية اللازمة لقيادة المرحلة الانتقالية، وهو ما يمكن أن يشكل عامل تطمين هام ومبشراً بمرحلة انتقالية قصيرة نسبياً، ففي مقالته في القدس العربي “حلب الشهباء والشه
داء” يستذكر الكاتب صبحي حديدي إحدى القصص التي حلت معه أثناء خدمته في حلب في فترة الصراع معبين النظام والأخوان المسلمين والتي تعكس الطابع الوطني السمح الذي يسيطر على مخيال المدينة، فيكتب: ” فرغنا من تفتيش أحد البيوت، ليس دون فظاظة شديدة تعمدها عناصر “الوحدات الخاصة”، دون أن نعثر على أي سلاح، حين باغتنا المقدّم هـ. م. دخل إلى البيت مجدداً، وألقى نظرة سريعة على المكان، ثمّ سأل الساكن الوحيد (وكانت سيدة سبعينية) إنْ كانت عندها شربة ماء؛ فأجابته بنبرة جافة، ونظرة صقيعية: “عندك البئر، فانزحْ منه واشربْ”.
ابتسم المقدّم، على نحو ماكر لن ندرك مغزاه إلا بعدئذ، وغادر المكان مع عناصره، وبقينا نحن مرابطين أمام البيت، حتى تصلنا تعليمات أخرى. وبعد دقائق أطلّت السيدة، وهي تحمل “صدر” قشّ عريضاً، تكدست فوقه أصناف منوّعة من الجبن، والعسل، والمربى، والزيتون، والزعتر، والزيت، والبيض المقلي والمسلوق، وخبز الصاج الساخن… كانت السيدة تجهل مللنا ونحلنا، أدياننا وطوائفنا، مناطقنا وأعراقنا، ولكنها قالت، بصوت واهن ولكنه يطفح حناناً وعذوبة: “أنتم مجبرون على هذا، وأمهاتكم بعيدات عنكم، فاعتبروني أمّكم، واقبلوا هذا الفطور بالنيابة عنهنّ”. وقبل أن نتحرر من المفاجأة الصاعقة، أو نمتلك الوقت لنتداول في ما إذا كان من الصائب (“عسكرياً”، على الأقلّ!) أن نقبل هذه الدعوة السخية الاستثنائية، تعالى مجدداً صرير عجلات سيارة الـ”رينج روفر”، يقودها المقدّم دون سواه، والابتسامة ذاتها على وجهه. “ليس عندك شربة ماء يا خالة، أليس كذلك؟”. “لك ماء البئر” ردّت الخالة بحزم، “وهؤلاء أولادنا، لهم القلوب والعيون”!
“حلب الشهباء”، مدينة تلك السيدة الفريدة، “الأمّ شجاعة” على نحو ما صوّر برتولت بريخت، وأرفع؛ صارت، أيضاً، “حلب الشهداء”، بالعشرات كلّ يوم. هي، كذلك، عاصمة الانتفاضة، راهناً وحتى إشعار آخر؛ وتلك التي تشهد، وتستعيد، أمثولة محمود درويش: “في كلّ مئذنة/ حاوٍ، ومغتصب/ يدعو لأندلسٍ، إنْ حوصرت حلبُ”!