ولادة الشعب على يد العسكرة

أدمن النظام الطغيان وفي المقابل أدمن السوريون الحرية وسكت العالم عن هذا المشهد، خلق ذلك معادلة الثورة الصاعدة وسوريا النازفة والنظام المتهالك في مدى زمني مفتوح، يصنع السوريون انتفاضتهم بصمودهم وحسهم السليم، ولكن تعقيد واقعهم وما اقتضاه من جذريةٍ في انتفاضتهم يقض مضجع المثقف ويحرج السياسي ويطالبهم بثورات مضاعفة مما يتسبب بنكوص الكثير منهم وترجمة ذلك عبر اجتراح الأسئلة الزائفة وما أكثرها في انتفاضتنا!
يمكن القول أن طرح العسكرة كطريق شبه حتمي إلى الحرب الأهلية هو أحد أكثر المسائل حضورا في المشهد السوري، وأن هيئة التنسيق ومثقفيها يشكلون الحامل الرئيسي لهذا السؤال الزائف، حيث يفاجئنا ميشيل كيلو في أحدى طلاته التلفزيونية باعتباره أن ما يجري اليوم هو اقتتال، ويفاجئنا أكثر عبر تبنيه لحل تفاوضي بضمانة روسية معللاً بأن ذلك ما يمنع عن سوريا أهوال الحرب الأهلية.


نود هنا أن أن نمشي مع أصحاب هذا السؤال إلى منتهاه المنطقي عبر مناقشة الحلول التي يطرحونها لاستمرارية سوريا كوطن وبقاءها ككيان تاريخي متماسك، حيث يبدو واضحاً أن المخرج الذي يتبنونه قائم على السيناريو اليمني عبر وقف الحل الأمني و البدأ بحل سياسي لتدشين مرحلة انتقالية تقود إلى التغيير الوطني الديموقراطي، مع إغفال العدالة القانونية، يبدو هذا الحل من الناحية النظرية متسقاً وواقعياً ولكنه فاقد للخيال والاستشراف بكل ما للكلمة من معنى، فحتى لو افترضنا أن النظام بدأ بالتفكير ولجأ إلى حل تفاوضي، وهو ما لا ترتسم علائمه في الافق، فإن هذا الحل التفاوضي يعني احتفاظ أغلب بنى النظام بجزء كبير من فاعليتها على كافة السويات الوطنية وهو ما يضمن استعار حرب أهلية باردة قد تنفجر في أي لحظة وبمفاعيل أقليمية مما يحول سوريا إلى لبنان آخر تنعكس على ساحته الصراعات الأقليمية والعالمية، السيناريو التفاوضي يعني دخول مقولة الفلول إلى القاموس السياسي وبزخم أكبر بكثير مما هي عليه في الحالة المصرية، فللفلول اليوم حامل اجتماعي وداعم اقتصادي وسياسي أقليمي وعالمي، لقد هيمنت هذه الفلول على سوريا لمدة أربعين سنة بحيث أمست مهندسها الاجتماعي وحامل أغلب أسرارها، صاغت الكثير من معادلاتها الاجتماعية والطبقية، فرضت هيمنتها على الأقليات الدينية والقومية وعلى الكثير من البنى العشائرية ومسحت كل معالم الوعي الطبقي لدى الطبقات الوسطى لتتحول إلى هلام طبقي لا أحد يستطيع أن يتنبئ كيف سيعبر عن نفسه في سوريا المستقبل، كذلك أجادت هذه الفلول المعادلات السياسية الخارجية وارتبطت عضويا بمشاريع أقليمية وعالمية لا تستطيع تقديم سوى المزيد من التوتر السياسي والمذهبي للمنطقة، وبالمختصر فإن هذه الفلول لا تملك اي مشروع وطني ولن تشكل في حال احتفاظها ببناها إلا قنبلة موقوتة تلجم طريق سوريا نحو التغيير الديموقراطي الوطني الذي ينشده التنسيقيون!

ومن ناحية ثانية فإن أهم ما استجد على الواقع العربي في هذا الربيع هو ولادة الشعب، لقد تحولت هذه الكتل السديمية التي كانت تهتف بأبدية القائد الملهم إلى غضب عارم يرتبط بالحرية والإبداع. وقد كان الاحتجاج السلمي أحد ابرز التعبيرات الإبداعية عن تلك الولادة في العديد من السناريوهات العربية، ولكن التعقيدات المتراكبة التي حظي بها السيناريو السوري منعت الاحتجاج السلمي من التكفل وحده بمهمة الولادة، وأمسى الجناح العسكري للانتفاضة أحد أبرز الضمانات لاستمرارية هذه الولادة، ومن ناحية ثانية، لم تعبر الثورة عن نفسها عسكريا إلا تحت سقف المشروعية الأخلاقية والوطنية فالجيس السوري الحر يملك مشروعية أخلاقية قائمة على التزامه بالدفاع عن النفس والابتعاد عن المنطق الهجومي ومشروعية وطنية عبر التزامه بمهمة حماية المظاهرات وابتعاده عن لعب دور سياسي والتزام الخط السياسي للمجلس الوطني، ويمكن القول أن الجيش السوري الحر يشكل الضمانة الرئيسية الثورة والحاضنة الأساسية لأغلب التعبيرات الاحتجاجية التي ترهق النظام وتسرع في تفككه وانهياره، يمكننا أن نختصر هذه النقطة بالقول أن الجيش السوري الحر اليوم هو ضمانة استمرارية ولادة الشعب والتي لن تكتمل إلا بسقوط النظام، والشعب عندما يولد تبدأ سيرورة التقدم والحرية التي يمكن أن تعالج كل الأخطار المحدقة بسوريا المستقبل من الحرب الأهلية إلى الارتهان للخارجي وفقدان السيادة.
التراجع عن العسكرة أو انحسارها يعني فقدان تلك الحاضنة الأساسية للشعب السوري الوليد، وهذا ما يعني هزيمة الانتفاضة ودخول سوريا في طور من الاحتقان السياسي والطائفي يحتضنه واقع مأزوم اقتصاديا وسياسيا ليبذر حالة من الفوضى تقودها عصابات مسلحة حقيقية هذه المرة يحركها الثأر بعد أن حركتها الحرية!