مشروع النهوض الناصري و مبررات امتداده

8 حزيران 2008

ظهر انقلاب الضباط الأحرار في عام 1952 على أساس مشروعية ثورية تبلورت من خلال عدد من العوامل, العامل الأساسي كان خسارة فلسطين على يد السلطات البرجوازية الليبرالية العربية ذات المرجعية الغربية ووضوح استفحال تبعيتها للغرب سياسياً و مدى كولونياليتها اقتصادياً.

أما العامل الثاني فتمثل في انتشار المد الثوري العالمي بعد نجاح الاتحاد السوفييتي في التصدي للفاشية وإنجازه لتصنيع روسياً و نقلها إلى مصافي الأمم المتقدمة علمياً و تقنولوجياً, حيث عمل الإتحاد السوفيتي على تعميم الأدلوجة الثورية على الأمم المستعمَرة .

مما أدى إلى تقهقر المرجعية الغربية – أوروبا الغربية و أمريكا –  و ممثليها عند مثقفي عصر النهضة في الساحة الفكرية أو على الأقل التزامهم بمواقع توفيقية بين المرجعية الغربية السابقة والمرجعية السوفييتية الصاعدة.

و العامل الثالث يتمثل في تخلف الريف العربي و ابتلاعه للمدينة و الإحساس بضرورة نقل هذا البحر من الريف إلى ساحة المجتمع المدني, و ليس من المصادفة أن يكون أغلب الضباط الأحرار من منبت فلاحي.
هذه العوامل مجتمعة أكسبت انقلاب الضباط الأحرار صفة الشعبية و أزالت منه صفة الانقلاب ليتحول إلى ثورة مظفّرة وأملاً للجماهير العربية, فاكتسب بالمحصلة مشروعيته الثورية.

وعندما استلم الضباط الأحرار السلطة أحسوا بصعوبة المهام التي تصدوا للقيام بها, ليظهر عبد الناصر كالعقل الأهم والأكثر قدرة على إيجاد حلول للواقع المصري المعقد ويتبنى مشروع الدولة القومية التي تحاول التبرجز على يد “طبقة” غير البرجوازية .

هذه المحاولة في التبرجز تمثلت في قانون الإصلاح الزراعي و إصلاحاته الراديكالية، ومحاولة بناء قطاع صناعي للدولة والتخلص من البرجوازية المصرية الكولونيالية وكل ذلك عبر تأميم المصانع واحتكار التجارة الخارجية وكذلك تجلت في محاولته الحد من مفاعيل الإمبريالية العالمية عبر تأميم قناة السويس و توفير عائداتها لبناء السد العالي الذي يضمن نقلة نوعية في إنتاج مصر الزراعي هذا على صعيد المكتسبات الاقتصادية و الاجتماعية للثورة الناصرية .

أما من الناحية السياسية, وباعتبار السياسة تكثيف للاقتصاد, فقد اضطرته هذه السياسة الاقتصادية الاجتماعية إلى مجابهات مع الامبريالية التقليدية (فرنسة و بريطانيا ) ومع إسرائيل المرتعبة من المد الناصري عبر حرب السويس – العدوان الثلاثي – والذي انتهى سياسياً بانتصار عبد الناصر بعد تدخلات سوفيتية و أمريكية كان من مصلحتها تقليص نفوذ فرنسة و بريطانيا في السياسة العالمية .

وقد حاول عبد الناصر قبل ذلك تشكيل قطب سياسي ثالث في العالم عبر مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز مع عدد من قادة العالم من أمثال نهرو و تيتو و سوكارنو و …

و كانت سياساته تهدف بمجموعها إلى قيام كيان عربي “حديث” يستطيع من خلاله استعادة فلسطين ويتضح ذلك عبر مغامرته في الوحدة الهشة مع سوريا و دعمه للثورة الجزائرية و تدخلاته في اليمن حيث أنه “دون وحدة عربية فإن قضية فلسطين لن تشهد سوى التنازلات المستمرة ” على حد تعبير المفكر الياس مرقص ولكن شرط عبد الناصر الواضح في محاولته لإنشاء مثل هكذا كيان كانت تترافق مع شرط أساسي يتمثل في الدور القيادي لمصر و هو شرط ضروري ولكن عبد الناصر لم يراع التفاوت بين واقع البلدان العربية مما سبب انفصال سوريا عل سبيل المثال.

و قد شهد المجتمع السياسي المصري محاولات تضييق بدأت بحل الأحزاب (وأغلبها كان من أصحاب الأدلوجات الانقلابية ..)  وأدلجة النقابات و محاربة الأخوان المسلمين بعد محاولتهم اغتياله وقد بدأت هذه المحاولات بإنشاء الاتحاد القومي العربي الذي تحول بعد ظهور النزعة التنموية إلى الاتحاد الاشتراكي وكل منهم كان معداً لابتلاع القوى السياسية التي لم يبق لها غير هذا الخيار أو الانضمام إلى السجون السياسية العامرة وتحمل التعذيب الجسدي والمعنوي.

يمكننا القول أن الدولة القومية التي صاغتها الناصرية كانت عبارة عن دولة شمولية وبوليسية وبيروقراطية تفتقر إلى الطابع الشعبي في الممارسات الاجتماعية ( أي شهدت مثلها مثل أكثر تجارب الصعود القومي والاجتماعي مأتم الديمقراطية الشعبية وتحولها إلى شمولية بيروقراطية ).

ومن الناحية الثقافية فقد كانت التعديلات على  جهاز الدولة هشة ومجاملة للموروث والسائد والمتخلف ثقافياً, وكان للسلطة طبيعة توتاليتارية اتضحت في خطابات عبد الناصر وكان لها أيضاًَ طبيعة تلفيقية اتضحت من الإعلام الناصري ومهازله التي لا تزال تذكر وخاصة المتعلقة منها بحرب حزيران .

و قد جاءت حرب حزيران لتوضح مدى هشاشة الانجازات الناصرية وقد أدرك عبد الناصر في خطبته الشهيرة – التي عقبت عودته إلى منصب الرئاسة بعد إعلانه الاستقالة – أن غياب الصيغ الديمقراطية التي تضمن تفعيل الفرد هو أحد أسس هزيمة مشروعه النهضوي و لكن الذي لم يدركه هو ضرورة قيام ثورة ثقافية تصفّّي الحساب مع الموروث وتحدد موقفاً واضحاً من التراث والتاريخ والقومية واللغة .

ويتضح اليوم أن الحركات القومية العربية وخصوصاً الناصرية منها لم تخضع نفسها لعملية نقد ذاتي تدرس من خلالها  التجربة الناصرية و تحدد ورقة عمل متينة ادلوجياً. ويتضح ذلك على كافة المستويات ففكرياً لم يتم إشعال نار النقد بالمقولات الأدلوجية السا
بقة ولم تتم بلورة أي نظرية قومية تنقد الطابع الماهوي للنظريات السابقة لتوضح الفروق بين مفاهيم كالماهية والهوية ولم يتم كذلك نقد الطابع الثقافي للنظرية القومية العربية والانتقال إلى تكريس طابع سياسي عملي وكذلك لم يتم حل مسألة الأقليات في العالم العرب وإنما استمر السكوت عن الممارسات الشعبوية تجاه الأقليات من قبل النظام الرسمي العربي وكذلك لم تتمم بلورة نظرية لدولة قومية تكون دولة لجميع مواطنيها وتعبيراً سياسياً عن الكليانية الاجتماعية و ما ذلك في نظري إلا خوفاً كسر الطابع الثقافي لنظرية القومية العربية وخوفاً من مجابهة الموروث نظراً إلى أن دولة لكل مواطنيها تجلب تحديثاً لجهاز الدولة يتم على أساس إجراءات علمانية تعمل على تحييد حضور التراث في الحاضر الاجتماعي والأهم من ذلك كله لم يتم طرح أي نظرية تعمل على تجديد الوعي الوحدوي والأساليب السياسية الوحدوية التي تنقلنا على الأقل تجاه كيان عربي يمكن أن يكون مستقبلاً الممهد لظهور دولة عربية موحدة وتحقق القومية العربية فعلياً.

أما على المستوى السياسي, فلم تتبلور برامج سياسية يقودها أي من الرؤى التي سلف ورودها ولم تتم بلورة رؤية عقلانية تجاه العلاقة بالمجتمع الدولي والعولمة وغيرها من القضايا الإقليمية.

إن هذه القراءة للتجربة الناصرية و المعارضة الأدلوجية لها والقراءة في حال الحركات القومية الناصرية تهدف لأن تكون دعوة إلى العمل الحقيقي من أجل نهوض قومي عربي حقيقي بعيد عن الدعاوي الأدلوجية السديمية والقطيعية.