مداخلة شبابية على حوار عجوز

24 أيلول 2009في بداية المقالة لابد لي أن اعترف أني شاب لم يتجاوز الرابعة و العشرين وأن عدد كبير من الكلمات التي أكتبها و الخلفية الفكرية التي أنطق عنها والروح النقدية التي أتمتع بها – إن كان ذلك صحيحاً- تعود بفضلها إلى الأستاذ جاد الكريم الجباعي و الأستاذ ياسين الحاج صالح و غيرهم من الأصوات الحرة و الجريئة والنقدية وأن هذه المداخلة تندرج في ميدان مساءلة الطالب للأستاذ متوقعاً أن يتحلى الأستاذ بروح التلميذ والأستاذ في الوقت نفسه وأن كلمة عجوز في عنوان المداخلة تحيل إلى واقع الحوار حول العلمنة لا إلى أطراف الحوار.
وسأقوم الآن بإيراد التصورات التي اعتمد عليها لبناء وجهة النظر التي تحملها هذه المقالة:
1-    إشكالية العلمنة في المجتمعات ذات المخيال الديني الإسلامي هي في جزء منها مشكلة فكرية تتعلق بقراءات الإسلام وبالمسكوت عنه عند الحديث عن الإسلام .
فالنبي محمد ابن مدينة في حين أن يسوع ريفي، والإسلام مزود بنص مقدّس أكثر شمولاً من نصوص المسيحية المقدسة، وأن هذا النص المقدس تتقاسمه مرحلتان هما المرحلة المكية و التي كان فيها الدين الإسلامي ذا طابع روحاني وجداني وأخلاقي فقط (راجع سورة ياسين مثلاً) و المرحلة المدنية حيث أصبحت الأخلاق تمشي على إيقاع السياسة والمصالح (راجع سورة التوبة).


والإسلام الصراطي لم يضف طابع القدسية على أية مؤسسة دينية وإنما كان التاريخ من أعطى القدسية لهذه المؤسسة أو تلك وهذا ما دفع الشيخ علي عبد الرزاق إلى استنتاجاته في كتابه الشهير “الإسلام و أصول الحكم” كانت ردة الفعل على كتابه من صنع التاريخ لا من صنع الإسلام السراطي ..؟
2-    أما فيما يتعلق بما يمكن أن نسميه بالجهاد التاريخي – اقتداءاً بالمرحوم الياس مرقص- والذي ينبغي على المثقفين العلمانيين بذله وصولاً إلى مجتمع معلمن فهي مسألة أكثر أشكلة نظراً لغياب الحامل الطبقي لهؤلاء المثقفين واستفحال سيطرة السلطة الشمولية على المجتمع وغياب الشرط التاريخي الكوني وارتباطنا بمنظومة الرأسمالية و خضوعنا لمتطلباتها وكون حالة الركود الاجتماعي هذه جزء من متطلباتها.
3-    أن يعترف فرد أو مؤسسة دينية أن المقدس لا يعادل الحقيقة هي مسألة غير متوقعة تاريخياً ولا تصلح إلا كفرضية يبني من خلالها أديب حبكة لطيفة لرواية قد تكون ذات شأن وكل ما يمكن أن نتوقعه هو تنازلها عن أجزاء من هذه الحقيقة و بالتالي كل دين يؤسس لاستبداد عبر ادعاءه امتلاك الحقيقة أو جزأ منها.
ومن خلال رد الأستاذ جاد الجباعي على مقالة الأستاذ ياسين الحاج صالح يمكننا أن نلاحظ تضارباً في الخلفية الفلسفية التي تحكم رده بين نظرة مادية ونظرة مثالية وهو في لحظات يذكّرنا بالوضعية التي تميز بها ماركسيو السبعينات بفهمه للدين المستمد على ما يبدو من حال المسيحية المعاصرة في أوروبا، ونظراً لأن كتابات الأستاذ جاد تعبق بالفلسفة وترتكز على التأملات الأنتربولوجية أجد أنه من المفيد -لي في الدرجة الأولى- نقاش الخلفية الفلسفية التي تنطق عنها المقالة وهذا سيقتصر عملي عليه.
فهو عندما يقول ” ليس الدين ما أضفى طابع القدسية والعصمة على الفقهاء والمفتين، الذين شرَّعوا للاستبداد وللمستبدين، بل الاستبداد نفسه والمستبدون أنفسهم” نتوقع من الأستاذ جاد أنه مازال محافظاً على التصور المادي للتاريخ الذي عودنا عليه ولكننا نجده يختتم مقالته بـ ” ومن المستهجن افتراض أن “التناثر هو شرط إمكان تسييس الدين، تماما، كما كان التناثر الإقطاعي هو شرط إمكان تديين السياسة في أوربا الكاثوليكية”، في حين كان تديين السياسة / تسييس الدين، في كل زمان ومكان سبب التناثر، سبب ظهور مذاهب مختلفة ومتخالفة وتَشكُّل أرثوذكسيات لا سبيل إلى إعادة توحيدها ”  وهذه العبارة تدل لنا على وعي مقلوب بالتاريخ، أفلم تنشأ أغلب المذاهب الإسلامية في مراحل تاريخية شهدت تناثراً اجتماعياً وتعارضاً طبقياً – بالمعنى الواسع لكلمة طبقي-  وغياباً للسلطة العليا وخفوتاً في صوت الخليفة ، أولم يقم مثقفو هذه النثرات بإبداع مذاهبهم لتبرير سلطتهم وفرض هيمنتهم، أوليس كل ما يمكننا قوله  أنه في العصر التالي لهذه التناثرات والانشقاقات المذهبية لعب هذا الواقع دوراً في إعطاء الشرعية لهذه المذاهب لتصبح هي بدورها سبباً في تناثرنا المعاصر.
ويمكننا أن نلمس في مفهومه للدين والذي نستشف خيوطه الأساسية من قوله “ولما كان الدين عاطفة ذاتية وإيماناً شخصياً وضميراً فردياً واجتماعياً ووازعاً أخلاقياً.. فسلطته من قبيل سلطة الإنسان / الفرد على ذاته، تتجلى في ممارسته في صيغة الواجب الديني، الأخلاقي، وهذا ما نعنيه حين نقول: إن الدين مبدأ معرفة ومبدأ حرية ومبدأ محبة ورحمة ومبدأ مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، وحين نقول: الدين هو حسن المعاملة ومكارم الأخلاق؛ فلا نحمل الدين أوزار الاستبداد والمستبدين.” فهماً وضعياً لطالما حاربه فالدين الذي يحمل نصاً مقدساً ألا يحمل ادعاءاً بامتلاكه للحقيقة، أليس هكذا ادعاء مصدراً للاستبداد، هذا إذا مضينا مع الكاتب في لعبة التجريد للمفهوم، ولكن هل هذا التجريد موضوعي إذا حاولنا مطابقته للدين الإسلامي الصراطي؟
أين ذهبت الآيات المدنية التي كانت دروساً في السياسة و قولبةً للاجتماع على لسان المقدس ومحاولة لإنشاء رأس مال رمزي يرفد الجهود السياسية و الحربية التي تهدف إ
لى الوصول إلى دولة الإسلام.هل يمكن اعتبار الجزء المدني من دعوة محمد محاولة من المستبدين لتسييس الدين..؟
وعلى أساس هذا المفهوم والذي ينفي فيه من الدين الإسلامي الصراطي كل نزعة لقولبة الاجتماع و الهيمنة السياسية يمكن أن يستقيم ما تبقى من كلامه وبخاصة ما يتعلق بقوله ” ليس الدين ما أضفى طابع القدسية والعصمة على الفقهاء والمفتين، الذين شرَّعوا للاستبداد وللمستبدين، بل الاستبداد نفسه والمستبدون أنفسهم” وتبعاً لمفهومه عن الدين يصبح الدين خارج عوامل الاستلاب الذي يعيشه الإنسان بل يصبح -نسبياً- خارج التاريخ الاجتماعي للإنسان وكل تأثيره يقتصر على سلطة الذات على ذاتها على حد تعبيره.
ويقول الأستاذ جاد “التاريخ هو توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، وأن الحتمي هو ما تحقق بالفعل، ولم يكن ممكناً أن يتحقق غيره. الاحتمالية سمة الواقع الراهن، لا سمة الماضي. فإن القول: لو كان كذا لكان كذا وكذا ضرب من العبث، وضرب من الاستهانة بمنطق الواقع ومنطق التاريخ. ” فإذا انطلقنا من هذه المقولة يصبح علم التاريخ ضرباً من الرفاه الفكري فجدوى علم التاريخ كما يقول الأستاذ عبد الله العروي هو “تربية الإرادة” وعلم التاريخ علم من أجل النقد الأدلوجي أي علم من أجل المستقبل ودون دراسته ودراسة الاحتمالات التي جبلته يمسي عبارة عن خوارزمية رديئة لدراسة المستقبل.
وسأحاول فيما يلي الدفاع عن الرأي الذي يقول بأن غياب المرجعية الإسلامية الموحدة والمقدسة والتي من المفترض أن تحضنها مؤسسة دينية مركزية – أي غياب “كنيسة” إسلامية- هو أحد العثرات الكبيرة أمام مهمة العلمنة، فمثل هذه المؤسسة كان من المفترض بها تحديد ما هو مقدّس في الإسلام وتبنّي وجهة نظر تقولب العقول وتبسط هيمنتها على المسلمين وتحوك المخيال الديني فيما يخص المسائل الدنيوية (وليس العقائدية) أي المسائل ذات الطبيعة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
ونظراً لأن هذه الأمور هي أمور عضوية في حياة المسلمين في هكذا شرط تاريخي فإن من يقوم بهذه المهام هي “كنائس” إسلامية تكتسب قدسيتها من جمهورها الذي أدمن التقديس لا من مرجعيتها الدينية  وبالتالي فإن جهد المثقفين في إحراجها وفضح مفارقاتها ونقد روحها اللاعصرية تبوء بالفشل والنجاح في الوقت نفسه فهي يمكن أن تؤدي إلا أفول نجم هذه المؤسسة ونفور جمهورها منها إلا أن هذا الجمهور سيقوم مباشرة بخلق بديل لا يستفيد إلا قليلاً من تجربته الماضية وهنا يكمن فشل المثقف في جهده التنويري، وهذا ما يفسر غياب ظاهرة الهرطقة و تلاشي ظاهرة الصعلكة في تاريخ الحضارة الإسلامية واكتساء المعارضة طابع الانشقاق المذهبي.
وكمثال على هذا الجهد الناجح و الفاشل يمكننا أن نذكر اللقاء الذي أجراه الأستاذ نبيل فياض مع الشيخ البوطي والذي فضح –أي الأستاذ نبيل – في تعقيبه عليه الكثير من مفارقات لسان السلطة هذا ولكنه لم ينجح إلا عبر ظهور نجمه في الوسط الثقافي وتحوله إلى مثقف يُسمع صوته نسبياً في حين أن أمي على سبيل المثال استمرت في مشاهدة برنامج البوطي الذي يبث كل يوم أربعاء على الرغم من أني أطلعتها على الحوار والتعقيب وأن السلطة لم تجد الحاجة في تغيير لسانها هذا نظراً لضآلة تأثير هكذا جهد .ومثل هذه الجهود فعّالة في الساحة الفكرية و الثقافية وتنفع في تحطيم التابوهات الثقافية من وقت لآخر، وعلى سبيل المثال فإن كتاب المفكر صادق جلال العظم “ذهنية التحريم” نجح نجاحاً مبهراً في تحقيق مهمته واستطاع الاصطياد في المياه العكرة عبر تكسير التابوهات الثقافية الشائعة في زمنه وفضح الكثير من مفارقات الوسط الثقافي والفكري.
وأعتقد أنه من الجدير في هذه اللحظة التاريخية -العقيمة من حيث القدرة على إنتاج بنى اجتماعية حديثة- وبهدف تحريك مستنقع الركود التاريخي والوصول إلى واقع العلمنة إعادة الاعتبار لظاهرتي الهرطقة والصعلكة وتبني المثقف لهذا الدور في مجتمع استحال مستنقعاً راكداً.