ماذا تريد ؟!

الحوار المتمدن – العدد: 2919 – 2010 / 2 / 16كان يمشي على الرصيف بخطواته البليدة وقامته الطويلة و النحيلة يكسوها بنطال أسود فضفاض وكنزة من الصوف الناعم وجاكيت يشبه السترات العسكرية بلونه العفني وجيوبه الكثيرة وأشد ما ميّز هندامه كان تلك اللفحة الخمرية القصيرة الملفوفة حول عنقه النحيلة بطريقة أرستقراطية و شعره الخرنوبي المجعد الطويل و الفوضوي وكي تكتمل صورة بطل قصتنا هذه كان لا بد لي من ذكر حقيبته المصنوعة من الجلد الرخيص والتي يضع فيها مقالاته وكتباً وغير ذلك مما يمكن أن تحويه حقيبة صحفي، كنت أراقبه وهو يمشي على الرصيف وما شدني إليه هو غرابة شكله ولكنني تفاجأت به يقف فجأة يخلع نظارته ذات الشمبر العريض البني الداكن ويخرج منديلاً من جيبه ويمسح نظارته بتأنٍ يذكرك بجدك العسكري المتقاعد وهو ينظف مسدسه أو يرسم في ذهنك صورة لمراهقة تدسّ المحارم المشرّبة بعطر الياسمين تحت صدريتها وتتأمل رشاقة و صلابة ثدييها أمام المرآة وبعد أن أنهى مسح نظارته أخرج من جيبه باكيت السجائر وأخرج السيجارة من الباكيت برشاقة ولامبالاة تذكرك ببطل في فيلم عنف هوليودي ليخيَّل إليك أنه سيشعل سيجارته ويسحب منها نفساً ثم يرميها في معين من النفط ويغادر ليعقبه صوت انفجارٍ مدوٍ ،

ولكن المفاجأة وقعت فهو لم يشعل سيجارته وإنما وضعها في فمه ثم أدخل يديه في جيوبه يبحث عن شيء ما على الأغلب أنه القداحة وأخذ يبحث بشغف وسرعة لا تتوقعها إن كنت تراقب مشيته البليدة وعلى ما يبدو لمراقب بعيد مثلي أنه اكتشف أن لا قداحة لديه فأسرع الخطى إلى الكشك الذي أمامه وعندما وصل إليه كان تنفسه قد تسارع وأسقط السيجارة من فمه بحركة لا شعورية لام نفسه عليها ووقف أمام صاحب الكشك عاجزاً عن الكلام فبادر صاحب الكشك إلى تحطيم هذه اللحظات الصامتة التي يكرهها كل إنسان بسؤاله :
– ماذا تريد …؟
وهنا انقطع هذا الجمود في رأس بطلنا لتتلوه عاصفة من الخواطر والهلوسات فهو بغبائه الاجتماعي لم يستطع أن يعالج السؤال على بساطته وإنما كما تقول جداتنا ركّب له أيدٍ وأرجل وأكسبه أبعاداً فلسفية ووجودية وأخذ يتساءل :
بالفعل، ماذا أريد أنا ..هل أريد أن استمر في العمل المقيت الذي أعمله لأمسح جوخ هذا وأرطّل بيضات ذاك وأنظم الابتسامات لسكرتيرة التحرير الغبية التي كان عليها أن تعمل في محل لبيع الألبسة الداخلية أم أن أتحول إلى غيفاري مغامر أدافع عن الحقيقة في بلد لا يحتفي إلا بالخراب .. ولماذا أدافع عن الحقيقة ؟
لن أقنع نفسي بالترهات التي يقولها ذوي الأيدي البيضاء بأن الحقيقة هي من يؤسس لمستقبل جميل .. تاريخنا سيمفونية من الألم و سيبقى كذلك .. ولنفرض أن دفاعي عن الحقيقة أسس لمستقبل جميل ولكن ما الفائدة إن كنت قد متُّ وأنا أحاول بناءه .. سحقاً للمستقبل الذي يصنعه رماد الحاضر.. هل أريد أن أصبح مثل جان جاك روسو أشحذ القلم لأكتب كتباً لا يعترف بأهميتها غيري و أموت و في قلبي حسرة أنني لم آكل اللحمة منذ شهور ثم بعد بضع سنوات من موتي تغطي كتبي رفوف المكتبات وترتفع صورتي على أعلام الثوار المنتصرين .. أنا واثق أنهم لن يرفعوا صورتي الحقيقية على الأعلام و إنما سيعالجونها في برامج الكومبيوتر لتبدو صورة إنسانٍ حيّ فمن الصعب أن يكون رمز الثورة ذا خدين متلاصقين و عينين يبحثان عن نتف لحم تغطي جحوظهما .. وقبل هذا الهرج كله .. ما هي الحقيقة ..أليست الحقيقة اجتماعية .. هل يوجد ما ندعوه بالحقيقة ؟ هل مجموع الواحد و الواحد اثنان .. لا أعتقد أن هذا هو الجواب الحتمي فعشيقان يتضاجعان في أيام الخصب ينتجان جنيناً واحداً و ربما توأماً وربما تجهض العشيقة و ربما يقتلها أخوها إن كانت في ديارنا
– ماذا تريد
أخذ هذا السؤال يتردد في ذهن صاحبنا بشكل وسواسي أشبه بقرع الطبول في سيمفونية روسية ونشأ صراع عنيف بين وعيه و لاوعيه الثاني يطرح الأسئلة بإيقاع ملحمي والأول يحاول الرد عليها منقط الأنفاس :
هل كل ما تريده أن تبتعد عن هذا السؤال مثلك مثل باقي الرعاع لتقضِ أيامك في قتل الزمن ومصارعة الوجود و ترويضه بالهموم اليومية التافهة و المشاريع الحياتية التي تتوهم أنها ستجلب لك الخلود .. هل تريد أن تمضي مع جلجامش إلى آخر الدرب المؤدي للخلود .. أم أن تنصت إلى نداء عاهرة في بار تدعوك إلى الخمر و الجنس و المخدرات .. لقد أعجبك هذا الخيار و لكنك يجب أن تتذكر أنك ينبغي أن تعمل أو تسرق كي تجلب المال لهذه النشاطات والخياران مرفوضان فالعمل قتل للحظة و السرقة اعتداء على الآخرين المنهمكين في قتل اللحظة .. لماذا لا يوجد غير خيارين في لاوعيك إما زمن حقيقي لا تدري ماهيته و إما غياب للزمن
أخذ هذا السؤال يرتدد كما اللازمة في ترتيلة مسيحية ليحاصر بطلنا ويحشره في زاوية الاختيار إلى أن سأله صاحب الكشك المستغرب لجموده الذي استمر لأكثر من دقيقتين :
– ماذا تريد ..؟
نظر بطلنا إلى الوجه الذي أمامه ببرود و أخذ يحرك بصره ببطء في أرجاء الكشك إلى أن وقف نظره على قلم ممدد أمام صاحب الكشك فأخذه بحركة سريعة ورجع إلى الوراء وقال لصاحب الكشك قبل أن يغرز القلم في صدره وينتحر :
– هذا ما أريد.