قدر أحمق الخطى

الحوار المتمدن – العدد: 2911 – 2010 / 2 / 8استيقظ على صوت المنبه المزعج، نظر إليه فاستنتج أنه سيتأخر عن موعده، لم يبق لديه إلا ثلاث أرباع الساعة للوصول إلى ذلك الموعد، قام من فراشه وذهب إلى المغسلة، نظر إلى المرآة كالعادة ليستمتع بمنظر وجهه وقد ضاجعه النوم وحفر فيه الأخاديد، أخذ يساءل نفسه عن سبب تمسكه بهذا الطقس، توقف عن هذا الاستجواب بسرعة فهو غير مستعد لزيادة تأخيره، غسل وجهه بالماء دون استعمال الصابون ومشّط شعره الطويل بكفّيه، وقد تتساءلون لماذا لم يستخدم المشط و قد لا تتساءلون لأنكم تعتقدون أنه مستعجل ولكن هذا ليس هو الجواب النبيه، فكل هذه الأمور قام بها ليحافظ على الفوضوية في شكله ويرسم كلمة الأديب على جبينه، وهو ما نسيت أن أخبركم به، فبطلنا شاب نشر مجموعة شعرية تدلل الضجة الإعلامية التي لاحقتها على موهبة لا بأس بها وهذه المجموعة هي الأولى في حياته، لكنه إن استمر على هذا المنوال في تضييع الوقت بالاحتفال بها فأنا واثق أنه لن ينشر غيرها، وما نسيت أن أخبركم به أيضاً أن الموعد الذي صادفكم في بداية القصة هو عبارة عن ندوة شبابية أهلية منعقدة في بلدته بعيداً عن أعين رجال المباحث ودواسيسهم وبطلنا هو عرّابها بصفته الأديب الناشئ العائد من العاصمة مغلّـفاً بمقالات الإطراء.

أنهى بطلنا ارتداء ملابسه وحذائه بنفس الانتظام الفوضوي الذي بدأ فيه تمشيط شَعره ونظم شِعره، امتطى “السكوتر” الآلي الذي يستخدمه بدلاً من الدراجة أو الموتور نظراً للمتعة التي ترافق ركوبه ولغرابته كآلة نقل، وهو من عهد لنفسه أن يعطي بلدته درساً في الاختلافات المشروعة وإجبارهم على احترام الغرباء بكل أنواعهم، وصل أخيراً إلى البيت الذي ستُعقد فيه الندوة دخل إلى البيت مع فتاة وصلت في نفس اللحظة، أخذت تعبر له عن إعجابها بديوانه الشعرية وقد عبر لها عبر نظراته المتعالية والبليدة وكلماته المقتضبة عن عدم إعجابه بسطحية كلامها و ترهّـل ثدييها.
دخل إلى الجلسة، أشبع نرجسيته من وجوههم التي ارتسمت الهيبة على تعابيرها، أراحه ذلك فقد أصبح الآن قادراً على مناقشة المواد التي سيقرؤها بحياد دون الحاجة لمعارك فكرية يديرها ليثبت وجوده ويلفت نظر الآخرين إليه، بدأت الجلسة و أخذ الشباب الهواة يقرأوون أشعارهم وقصصهم وخواطرهم، وبعد عدد من القراءات وصل إلى نتيجة تقول أنه لا يوجد أتفه من خواطر الأنثى في مراهقتها وكذلك الأمر بالنسبة لأشعار الشباب وأخذ يتساءل عن السبب الذي يدفع الأنثى إلى كتابة الخاطرة في حين أن الذكور يكتبون الشعر، أحس بغباء التساؤل فهؤلاء ذكور وأولئك إناث، هؤلاء يغبّون من النرجسية وأولئك حَرثٌ لهم وأمامهم يتواضعون، أحس بشطحاته الميتافيزيقية، لكنه لم يستغرق في شطحاته فقد صحى على سؤال أحدهم، واستمرت الحال على ذلك المنوال يتأرجح بين قصص أحدهم وشطحات مخيلته وأشعار وخواطر آخرين، أحس أن الجلسة طويلة جداً وأن هذا ليس مكانه وأخذ يتوحش في ردوده على من يعتقد أن الموهبة جافته ويطري ببرود على من لحظ عنده الموهبة، وبعد أن انتهى أحد الفاشلين من قراءة شعره تساءل بتململ :
– هل بقي أحد ..؟
فظهرت فتاة ذات ملامح ناعمة وعيون بريئة وتسريحة شعر طفولية وملابس فضفاضة مخملية بعيدة عن الابتذال الذي يسمى الموضة :
– أنا عندي قصة قصيرة .. لا تخف فهي قصيرة فعلاً و لن تهدر الكثير من وقتك ..؟
قالت ذلك بابتسامة مرتسمة على وجه يتحرك بشكل يوحي بالدّلع البريء، أدرك وقتها حاجته للنعومة وأن الفتاة التي ينام معها أشبه ببولدوزر، فأشار برأسه و بابتسامة مشجعة كي تبدأ، سند رأسه على الكنبة بشكل مائل و أخذ يتابعها بتركيز، استمتع بسردها، وجد عندها الموهبة، لكن في النهاية لم تعجبه فكرة القصة المشرّبة بأجواء الستينات الأدلوجية، ولكن ما أعجبه أنها استطاعت أن تخبئ تلك الحمولة الأدلوجية إلى نهاية القصة مما فاجأه ورسم على وجهه تعاليم الذهول، وللأسف فإن تلك الفتاة لم تر إلا تلك المعالم مما رفع قلبها إلى ثدييها منتظرة تعليقه :
– شيء حلو .. السرد ممتع .. صدقيني لو أنك ولدت في أجواء الستينات لكنت الآن من ملوك القصة القصيرة ..؟
قال ذلك بابتسامة ماكرة وخد منفوخ قليلاً مما رسم الدموع على خدّي تلك الفتاة، ما أجمل بكاءها، هذا ما خطر له في اللحظة الأولى لكنه استدرك على الفور ووضح لها جدية ما قاله وأن ذلك ليس من قبيل الاستخفاف وحاول أن يشرح لها أن الأفكار التي تحتويها قصتها مستهلكة وأن الأفكار في القصة ليست كل شيء وأن الموهبة موجودة لديها ولكنها بالطبع لم تفكر فيما قال، واعتبرته محاولة للتخفيف عنها و التكفير عن غلطة ارتكبها.
بعد هذا الموقف الدرامي الذي أنعش الجميع وأيقظ النائمين انتهت الندوة، أدرك بطلنا أنها لم تقتنع بكلامه، واقتنع أن فتاة بمثل هذه النعومة لا يجب أن تكرهه، لذلك قرر أن يستأنف الحديث معها، وعند مدخل البيت بدأ بتشغيل سكوتره وعندما خرجت ناداها، فاقتربت منه مكسورة الخاطر، قال لها :
– انظري .. أنا شاعر كبير ولا يوجد فتاة يمكن أن ترفض دعوتي .. فاركبي ورائي و تمسكي بخاصرتي لنذهب إلى المقهى و نشرب فنجان قهوة وعلى حسابك .
ارتسمت الابتسامة على محيّاها، اعترفت أنه شاعر فعلاً وأنها لن تستطيع الإفلات من قبضة عباراته لذلك ستوافق على عزيمته، أخذ يردد عليها نصائح السلامة المعتادة التي يرددها عندما يركب أحدهم خلفه على السكوتر، أعجبتها هذه التجربة، كان بطل
نا يزيد السرعة إلى حدودها القصوى، مما يدفعها إلى الشد على خاصرته والارتكاز بثدييها على ظهره، أحب الشعور المتولد عن احتكاك ثدييها بظهره، عندما وصلا إلى المقهى نزلت عن السكوتر و الدموع تملاً وجهها، لا بسبب الحزن وإنما بسبب سرعة قيادته للسكوتر و اصطدام الهواء البارد بوجهها، اعترف لها أنها تملك أجمل دموع شاهدها على الإطلاق، واعترف لها أن الحزن المترافق مع دموعها يزيدها جمالاً .
اتخذا لهما ركناً قصياً في المقهى، طلبت فنجاناً من القهوة السادة فطلب كأساً من الزهورات، بدأ الحديث بإعادة توضيح تلك العبارة التي أساءت فهمها، فأخذ يوضح لها أن تلك الشعارات الأدلوجية الكبيرة لا تجد لها مكاناً في هذا الزمن وأن فشل أصحابها في تحقيقها أفقدَها بريقها، وأن هذا الزمن الرديء بقمعه وبروده قد نفّر الناس من هذه الشعارات وأنها أصبحت لعنة بدلاً من الحلم الجميل فكلما سمعها أحدهم أحبها وحاول المضي فيها ليتذكر فيما بعد القيود على معصميه مما يولد لديه ردة فعل عكسية تجعله ينفر منها ويلعنها و يلعن زمنه وتاريخه، أحس بعدم اقتناعها بهذا الكلام النظري مما دعاه إلى استحضار مواقف صغيرة تؤكد لها صحة ما تكلم عنه، حدّثها عن ردة فعل أخيه على ما شاهده في الشبكات العربية “الحديثة” من آخر مجزرة حدثت في فلسطين، أخبرها أن تلك المناظر ستقود كل شخص لا يعاني المازوخية إلى ترديد ما قاله أخوه :
– أغلقوا هذه القناة القحبة .. لا ينقصنا الوجع
انطلق في كلامه بشكل لم يعهده، فهو من أدمن الشعر لما فيه من مجاز وهروب، أخذ يتكلم عن مكر التاريخ و عن منطق الوجود الذي يراه، استغرق في الحديث عن الأخير، و أخذ يشرح لها نظرياته حول الفوضى كمنطق للوجود، كانت تعابير الفتاة أكثر غرابة مما أخذ يتكلم عنه، ارتسمت على وجهها تعابير من يدرسها ويرصد تغيراتها يمكنه أن يعلن من مقهى باريسي عن ولادة حركة فنية جديدة تجبّ السوريالية و غيرها في عمقها الفلسفي وغرابة أدواتها الجمالية
– و العدالة والحرية .. هل هي مجرد أكاذيب ؟
– عدالة مين و الناس نايمين ..؟
أجابها بهذه العبارة اللامبالية وهو يسحب نفساً من سيجارته، حاول تجنب النظر في عينيها لما تحمله من إدانة واستغراب، حاول أن يبرأ نفسه من الإدانة فأخذ يذكرها بمقابلة مع محمد الماغوط يعتبر فيها واقع القمع ملهمَ روائعه
– أي أديب يكتب عن الحرية بوحي من القمع، لولا القمع لما أنتجت الروائع الأدبية، ولولا الفقر لما استطاع الطفل أن يصنع دمية من أسلاك، دون حياة ملؤها المعاناة لفقدت لحظات السعادة جمالها.. التاريخ صنعته لحظات الشقاء
والثورة الفرنسية التهمت أبطالها، هل تعتقدين أن الإنسان يمكن أن يكتفي بهدف، الإنسان بالتعريف من يطلب المزيد و المزيد والمزيد، طالما أن التاريخ بدأ دون وعي الإنسان فلن ينهيه الإنسان ..كل ما أتمناه أن لا يكون بوذا دجالاً كالآخرين و أن أذهب إلى جنانه حيث العدم يعانق العدم.
كانت نظراتها المستغربة ما دفعه إلى إنهاء حديثه بهذه الطريقة الشعرية، خاف من نظراتها، أشعل سيجارة ونظر إلى عينيها ببرود ليقول :
– كنت أتمنى أن تكون غير ذلك لكن هذا هو الواقع .. الحياة فوضى في فوضى ..!
انقطع الحديث مع شرود الفتاة وصمت صاحبنا، أخذ يغب من السيجارة ، شرب ما تبقى من كأس الزهورات، سألها إن كانت ستغادر معه فاعتذرت وقالت أنها تحتاج إلى الجلوس مع نفسها والتفكير فيما قاله، تمنى لها مستقبلاً طيباً، أخذت عيونها تتابع خروجه من المقهى وركوبه على السكوتر بعقل شارد، رشفت من فنجان قهوتها، سمعت صوت اصطدام قوي، شاهدت صاحبها و سكوتره يحلقان في السماء ليقعا على الأرض دون حراك، وحتى الآن لا تدري لماذا استغرقت في البكاء.