في حرية الرأي وراهنية النقد

موقع الأوان  – 22 حزيران 2008 شهد العالم العربي بعد إفلاس مشروع النهوض القومي العربي عودة إلى المفاهيم التي ابتدئ بها عصر النهضة من احترام حقوق الإنسان في الرأي والحياة.. هذه العودة جاءت بعد رؤية مثّقفي العرب لراهنّية مطالب كالديمقراطية وقدسّية الدّستور وإفلات العقال عن المجتمع المدني والمجتمع السياسي ولكن هذه العودة لم تكن موزونة منهجياً من حيث ضبط وتعيين وتحديد المفاهيم نظرياً
وعملياً هذا الضبط الذي يكسب الفكر استقامته ممّا يجعله أداة مفيدة في ضبط الواقع واكتشاف أبعاد حركته فتحوّلت هذه المفاهيم على يد من تربّوا على الأدلوجات الانقلابية إلى أدلوجة يشهرونها في وجه كل من يدّعي خطأ آرائهم .

فأصبحت حرية الّرأي سلاحاً ينفي الحقيقة ويوصلنا إلى العدميّة في مقاربتها وأصبح النقد هواية مثله مثل جمع الطوابع وسأحاول تقديم بذور لبعض المفاهيم التي يحتاجها الحوار لترميم حواراتنا منهجياً بحيث ننتقل من حالة حبّ الكلام إلى تأسيس علم للكلام على حدّ تعبير المفّكر الياس مرقص.
وسأقترح تعريفاً لحرّية الرّأي مبنيّا على مرجعية تاريخّية تتجسّد في مجمل عصر النهضة الأوروبّيّ والذي نحتاج إلى مقاربته والتعلّم من دروسه : احترام حقّ الرّأي الآخر في الوجود في الساحة الفكرية.

وهذا التعريف قد بني تاريخياً على أساس انتصار العقلانّية في أوروبّا على الفكر الدينيّ في تلك المعركة الساخنة التي كان شعارها متمثلاً في القضاء على كل ما يعيشه الإنسان من اغتراب (1) ثقافي وأخلاقيّ وقانونيّ واجتماعيّ سواء كان مقدّساً أم غير مقدّس.
هذا يعني بلغة أبسط التنبه إلى حقيقة أنّ الإنسان هو مكتشف الحقائق وصاحب الفعل عبر جدله المستمر مع أخيه الإنسان أو مع الطبيعة وصوغ المستقبل على أساس هذه الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ على أساسها أيضاً .

مما أدى إلى تحقيق قطيعة معرفية وفكرية مع العصور الوسطى (2) حيث كانت الحقيقة متعالية عن الإنسان وتحتاج إلى صكوك من الله  لتبيانها.
و بما أن معرفة الإنسان قاصرة و الحقيقة لا يمكن أن توجد إلا عبر جهود الإنسان لذلك تم إشراع الأبواب للحوار (حرية النقاش في الوسط العلمي – والديمقراطية البرلمانية سياسياً و..) الذي يبتغي الحقيقة.

والمرجعية المعرفية في الحوار المنطلق من المسّلمة التي تعترف بأنّ الإنسان، والإنسان وحده، مكتشف حقائق تعتمد العقل وأدواته وإنجازاته .
ولكي يصل الحوار إلى الحقيقة ينبغي عليه أن يتزوّد بسلاح النقد المستمرّ وبالّتالي فإنّ كلّ حوار يبتغي الحقيقة ينبغي أن يرافقه النقد بكل أشكاله .

النقد في بعض الأحيان يبتغي ترميم مقولة أو مفهوم معيّن وأحيانا أخرى يبتغي تفنيد هذه المقولة،  ولكي يكون النقد مقارباً للحقيقة عليه أن يتزود بالمنهج المناسب للموضوع المحدّد وأن يطرح الأسئلة الدقيقة لأن السؤال الصحيح يحقق نصف الإجابة كما يقول الفيلسوف الألماني كارل ماركس، ولا بدّ أيضاً من التزود بمبدأ يرفع الفكر إلى مكانته الصحيحة ويبعد عنه ذلك الازدراء الذي رافقه عندما عبّر عنه ” الماركسيون ” الميكانيكيون (3) والذي قاد مشروع النهضة العربية في الحقبة الثوريّة.
وبالنسبة لمحبّي العمل وكارهي الكلام من هؤلاء ” الماركسيين ” أقول لهم لا عمل بلا عقل… العمل هو دائماً عمل الرأس واليدين.

الهوامش:
(1) المقصود بالاغتراب هنا هو عدم اكتشاف المقيَّد لحقيقة أنه هو من صنع القيود، وأرجو تفريغ الكلمة من كل محمولاتها التاريخية والأدلوجية الماركسية –بأنواعها -أوالهيجلية أو.. نظراً لعدم إطلاعي الكافي على هذه المحمولات .

(2)  يعرّف مرسيل غوشيه الحداثة بأنها الخروج من الدين (راجع مقال جورج طرابيشي “العلمانية كجهادية دنيوية ” في موقع الأوان .
(3) وهم أصحاب ما يسميه عبد الله العروي بالماركسية الموضوعية في الأديولوجيا العربية المعاصرة.