طقوس الموت .. والتعليب العقائدي الإسلامي

22 تشرين الثاني 2008قد نرتكب مغالطة انتروبولوجية عند التأكيد على أن السعي إلى الخلود أحد مقومات الطبيعة الإنسانية ولكن قد تسعفنا أسطورة جلجامش وباقي التراث الأسطوري الذي استلهم تلك النزعة وقد يسعفنا أيضاً ظهور الأديان في التاريخ البشري واستحالة إلغائها من حياة الفرد كما أظهرت التجارب العلموية التي مر بها التاريخ الغربي الحديث. فحتى الأفراد الخاضعين لهيمنة المخيال الحداثي فإن الأجوبة الأساسية التي يجابهون بها السؤال الوجودي تتركز على خلق بصمة في الحياة و الحفاظ على خصوصية و ما تلك البصمة و هذه الخصوصية إلا سعياً واقعياً إلى الخلود.

و يمكننا القول أيضا أن أسهل الطرق للوصول إلى الطمأنينة الروحية تنطوي على الإيمان بأن لهذه الحياة مغزى متعالٍ على الإرادة البشرية، وهذا الحل هو ما احتفت به الأديان وكان الأساس في الحبكة التي رسمتها عن الوجود بشكل عام، ففي الدين الإسلامي ما الطبيعة إلا مجموعة من السنن رسمها الله  ووضع فيها ماهية حركتها و هدفها فـ ” لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ” (سورة ياسين) وليس هدف البشر الذين خلقهم إلا عبادته  وتسبيحه وهذه هي الطريقة الوحيدة للفوز بجنان الخلد التي يصفها القرآن على أنها مهد السعادة الحسية من خمر و أرائك حريرية وحوريات حسناوات.
ما يهمّنا في هذا المقام هو الآليات التي استخدمها الإسلام في عملية التعليب العقائدي المتعلقة بسؤال الوجود، فقد أثبت في ذلك عبقرية نادرة عبر استغلال طقوس الموت في عملية التعليب العقائدي تلك.

فالأدعية التي ترافق الجنازة، وصرخات التوحيد التي تملأ آذان المآجرين وبالأخص سورة ياسين التي تقرأ على القبور و الزيارات الدورية المفروضة للمقابر، كل تلك الآليات أثبتت نجاعتها في رد الكثير من الضالين إلى الصراط المستقيم .

ولعل الشعور بقلق الموت أحد أصخب المشاعر التي تمر بحياة كل فرد ويتأجج هذا الشعور في لحظات مثل وفاة أحد الأقارب أو حضور الجنازة الأولى أو حضور حادث مروع وتكون هذه اللحظات ميداناً لاضطرابات ذهنية عنيفة حول مغزى الحياة وعبثية الوجود لتأتي صرخات المشايخ وتلاوة القرآن وترجح الكفة نحو الجواب الإيماني السهل و المريح .

وحسب كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للعراقي جواد علي تجلى الاحتفاء بالموت في عدد من الطقوس كـ “النداء. وذلك بإعلان شخص عن المصيبة بصوت عال يسمع حتى يشاركه الناس مصيبته ” ومن ثم “يتجمعون حول المفجوع ويشاطرونه حزنه ويشتركون في تشييع ألجنازة ” وقد يكون  ” الاعلان عن موت شخص بالبكاء وبالنعي، ويتوقف نعي الميت والبكاء عليه على قدر منزلة الميت ودرجة أهله ومكانتهم الاجتماعية” وهو ما نهى عنه الإسلام و سماه بنعي الجاهلية.

“ويصحب البكاء شق الجيب وتعفر الرأس بالتراب واجتماع النسوة اياماَ لندب الميت وذكر مناقبه. تقوم بذلك نادبات ممتهنات أو غيرهن ممن رزقن موهبة القول في مثل هذه الأحوال من أفراد الأسرة أو القبيلة أو الحي أو القرية.” و “ان الجاهليين كانوا يغسلون موتاهم قبل دفنهم”ومنن ثم “يوارى الميت في حفرته ثم يهال التراب عليه. وإذا كان الميت من أصحاب الاسم والجاه فقد يجصص قبره ويبنى عليه، ويكتب على قبره اسم صاحبه وما يناسب المقام. وكثيراً ما نسمع بنحر الإبل أو عقرها على الفور لتبتل بدماء الإبل … وإذا حلقت النساء شعورهن حزناً على الميت، وضعن شعورهن على القبر.”  وإذا “وضع الميت في لحده، أهالوا التراب عليه، وقد ينظم الشعراء شعراً لهذه المناسبة ينشدونه على القبر اظهاراً لحزنهم ولحزن الناس على فراقه.” وكذلك كان ” الجاهليون يضعون الحنوط في أكفان الميت وملابسه ليطيب به جسمه وليحفظه مدة طويلة. ”

ويمكننا أن نستنتج أن الإسلام لم يقم بتغيير راديكالي في الطقوس المرافقة للموت و إنما قام بتعديلها والتخفيف من حدتها وإلغاء القليل منها ولكنه بدّل النحيب و الندب بشهادات التوحيد وأضاف للبكاء عند القبور عادة قراءة سورة ياسين .

ويمكننا القول أن هذه السورة تشتمل على العقائد الإسلامية من توحيد وتنزيه و تثبيت لدعوى النبوة  فهي تتمتع ببنيان لغوي أخّاذ قائم على السجع السهل و الآيات القصيرة.وتبدأ السورة بداية موسيقية جميلة لتقدم نفسها على أنها ” ِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) ” ويمكننا أن نلاحظ أن هذه الآية مرسلة لمن تزعزع إيمانه و ليست للمجحدين ويتم ذلك الإنذار عن طريق رأس المال الرمزي الأسطوري العربي عبر قصة أهل القرية الذين ” إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (19) وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِ