حول مشروعية نقاش ظاهرة المثلية الجنسية

9 آب 2009قد لا يكتسب الحديث عن المثلية الجنسية مشروعية اجتماعية أو تاريخية نظراً للبنى الرعوية الكولونيالية التي تحكم مجتمعات العالم الثالث وتعبيراتها السياسية من سلطات شمولية وثيوقراطية وتوتاليتارية وبسبب آليات التنظيم الاجتماعية التي بلورتها ابتذالات الماركسية من استئثار الحزب الواحد بالسلطة و هيمنته على الدولة وسلبها طابعها المؤسساتي وصياغته لديمقراطية “شعبية” ولدساتير مهادنة لتراثها لا دور لها إلا سلب الفرد حريته والتضييق على وجدانه والقضاء على كل ممارسة إبداعية  في شتى المجالات الاجتماعية.
وتغيب المشروعية التاريخية للحديث عن المثلية الجنسية نتيجة عدم تبلور كتلة تاريخية واعية لذاتها و صاحبة مشروع تغييري ذو صبغة حداثية و نزعة تقدمية حيث لا يلوح في الأفق سوى تعبيرات الإسلام السياسي التي تنتجها مدن الشرق المريّفة وتعبيرات مشروع “ليبرالي” سياسياً واقتصادياً مهادن للبنى التقليدية ثقافياً و اجتماعياً يضبط إيقاع عمله على ساعة الخارج دون مراعاة نبض الشارع المحلي.ومن ناحية أخرى فإن الحديث هذا يكتسب مشروعية ثقافية وفكرية، ولعلها المشروعية الوحيدة التي تبرر الحديث عن هذه الظاهرة إذا ما استثنينا الأهداف الإعلامية من توسيع جمهور قناة ما واستثارة فضول المتلقي والتي تدفع بعض معدي البرامج التلفزيونية إلى تناول ظاهرة المثلية الجنسية.
ويكتسب هذا الحديث مشروعيته  الثقافية و الفكرية عبر نقل الحوار بين أفراد الإنتلجنتسيا التنويرية من حيز العموميات إلى الدراسات التفصيلية ومن مجال صياغة المفاهيم إلى ميدان الدراسات الاجتماعية مما يشكل محاولة للتجاوز الجدلي لأحد أهم عيوب الثقافة العربية حيث نجد المؤلفات في فلسفة التاريخ على سبيل المثال أغزر من الدراسات التاريخية الفيلولوجية ونجد الكتب التي تنظر للعلاقة بالتراث أكثر من الكتب التراثية المحققة و المدروسة ونجد العلوم الاجتماعية تمشي بهدي الفلسفة على عكس الواقع القائم في أوروبا حيث أن مثل هذه المحاولات والحوارات تعود على الفلسفة بالفائدة بنقلها إلى مستوى أرقى  وأكثر جدلية من حيث صياغة المفاهيم وبناء المنظومات الفلسفية فالمدرسة البنيوية على سبيل المثال لم تتبلور كخط فلسفي إلا على أساس أبحاث اللغوي السويسري  دي سوسير أو دراسات الأنتروبولوجي الفرنسي ستروس وغيرها من الدراسات الإنسانية.
كذلك يكتسب مشروعيته من الحوارات الفرعية التي يفتحها حيث أن هذا الموضوع لا يمكن أن يتم نقاشه دون نقاش الموقف من التراث ومن مفهوم الحرية ومفهوم الأخلاق ومن نظرة معينة للطبيعة و الكون ويشكل الموقف من هذه الظاهرة مرتكزاً حاسماً لاستنتاج مدى جرأة التطلعات الأدلوجية لدى الإنتلجنتسيا التنويرية. و تشكل هذه المفاهيم و النظرات والتطلعات نقاطاً حساسة في الثقافة العربية ولعلها أكثر ما يحتاج إلى النقاش و التداول ولعل أكثر ما يحتاجه النقاش بها هو الانتقال من التأمل المجرد إلى الدراسة الملموسة للواقع الملموس و الانتقال إلى الواقع و الاعتراف بفردانيته تكفيراً عن تلك الوضعانية التي امتاز بها الفكر والثقافة العربيان.
وقد يحاول بعض المثقفين المدافعين عن الظاهرة و المقتنعين بمشروعيتها الدفاع عنها من وجهة نظر الطب الحديث وعلم الوراثة فيتشبثون بدور العامل الجيني والذي يمكن أن يكون السبب في الميل الجنسي المثلي- لكنه ليس السبب الوحيد وقد لا يكون موجوداً لدى المثليين و المثليات – وأعتقد أن هذا الموقف خاطئ منهجياً أو على الأقل قليل الجدوى فالسجال و الجدل القائم حالياً حول هذه المسألة لا يكتسب أهمية اجتماعية إجرائية بقدر ما يكتسب أهمية فكرية و ثقافية من حيث التأسيس لمجتمع لا تحكمه الميتافيزياء تشريعياً أو قانونياً ويتخلص من كل أطياف الاغتراب الثقافي.
كذلك فإن هذا السجال يجب أن يتخذ شكل الخيانة والخلخلة لمخيال البنى التقليدية و منظوماتها الثقافية ومسلماتها الفكرية – راجع مقالة الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي على موقع الأوان و المعنونة بـ “الخداع والخيانة” – أي أنه يجب أن يصدر عن موقف تاريخاني يحاكم تراثه و ثقافته على أساس “القطيعة المنهجية” مع هذا التراث، هذا إذا استعرنا مفاهيم المفكر المغربي عبد الله العروي، لا أن نلجأ إلى “تبيئة المفاهيم” على طريق المفكر محمد الجابري بحيث ننسى العلمانية أو نتجاهلها باعتبارها دخيلاً غريباً على ثقافتنا ونختزل الديموقراطية إلى شورى وبالتالي نختزل الحداثة إلى مسخرة.
وما يمكن أن يرد به مثقفو البنى التقليدية لسلب ظاهرة المثلية الجنسية مشروعيتها يتمثل بالقول أن طبيعة المجتمعات الشرقية وأخلاقها لا يمكن لها أن تتأقلم مع وجود هذه الظاهرة أو على الأقل مع التشريع القانوني لوجودها.
يمثل هذا القول أحد أهم علامات تخلفنا الحضاري والرد عليه يمكن أن يعتمد على فتح سجلات التاريخ و التذكير بالتراث الأيروتيكي الكبير الذي حفلت به الحضارة الإسلامية في كتبها المقدسة وآدابها مثل كتاب ألف ليلة وليلة وحتى لدى فقهائها ككتاب جلال الدين السيوطي “نواضر الأيك في معرفة النيك” وأن أخلاقنا “الشرقية” في فترة البروز الحضاري للحضارة الإسلامية احتفت بهذه الظاهرة وكانت أحد مظاهر الحاضرة العربية التي لا تثير استياء سوى قلة من غير المتنفذين ومن فقهاء الهامش.
ويمكن لنا أن نذكر أن كبار المثقفين الغربيين من ميشيل فوكو إلى