حول عبثية الإلحاد

22 حزيران 2008لا بد لنا في البداية من أن نرسو على تعريف يضبط حدود هذا المفهوم, لذلك سأقترح تعريفاً يرى إلى الإلحاد على أنه موقف ذاتي يقوم على الإنكار المطلق للمطلق, و لا بد لنا أن  نلاحظ عبثية هذا الموقف  من خلال البنية اللغوية  لتعريفه.
و يقوم هذا الموقف على رفض المثل الشعبي الذي يقول  : ” من ليس لديه كبير ليس لديه تدبير ” و كل التمظهرات الفلسفية و القانونية و الاجتماعية و الأخلاقية و .. لهذه المقولة الشعبية.
و لا بد لنا, بسبب الخلط الشائع بين المفاهيم و غياب التحديد والتعيين, أن نوضح الحدود بين مقولات و مفاهيم مثل اللاديني أو الألوهي أو العلماني أو الملحد, و لا بد لنا من التنويه أننا سنناقشها من حيث كونها موقف ذاتي تجاه  الكون والطبيعة والمجتمع  لا من حيث كونها نظم اجتماعية أو معتقدات جماعية وكذلك لا بد لنا من التنويه بأننا سنعالجها من الناحية الفكرية غاضين الطرف عن النواحي التاريخية و الثقافية و الاجتماعية و …
فاللاديني هو من أظهرت له قراءته للدين والتاريخ و أن الأديان عبارة عن كائن تاريخي بلورته الممارسة الإنسانية عبر تلاقح الحضارات و نضوج شروط إنتاجية معينة في مجتمع ما واستثمار بعض الأشخاص (من يسمون بالأنبياء و الرسل) لهذه الظروف و للطاقات (الإيحائية و البيانية و المجازية) للأسطورة و اللغة.
فاللاديني شخص مسئول حيث يعرّف نفسه بالنفي التزاماً بالدقة و الوضوح في الفكر و بالمسئولية في الموقف و تواضعاً أمام تعقيد الواقع و اعترافاً بتنوعه.
أما الألوهي فهو لاديني  يثمّر المطلق في حياته و يعترف بأهميته في الممارسة الإنسانية في كل ميادينها -الاجتماعية و المعرفية و العلمية و الأخلاقية و..- و لكنه إذ يعترف بالله الذي ينظم الكون فهو يعترف بكسله و فكره يتمفصل مع الفكر الديني في المقولة التي ترى إلى الإنسان مركزاً للكون و ينكر على الإنسان كل جهد معرفي و علمي لتكوين تصور مقارب للحقيقة حول الكون يساعده على استثماره و السعي لإيجاد حلول لمشاكله و  ضبط تأثيراتها في حال استحال التغلب عليها جذرياً.
أما العلماني فهو شخص حذر في بلورة منظومته الفكرية وأكثر ما يحذر منه هو الوقوع في اغتراب فكري -مقدساً كان أم غير مقدس- يؤدي به إلى الاغتراب الثقافي والاجتماعي والأخلاقي والقانوني و.. أي أن العلماني يقوم ببلورة مطلقه انطلاقاًُ من ممارسته الاجتماعية متخذا كل الحرص تجاه المطلقات المسبقة و هو من يقوم بتعبير لينيني ببلورة مطلقه انطلاقاً من التحليل الملموس للواقع الملموس و بتعبير ديكارتي يعالج الآراء المطروحة بالتزود بالشك في كل البداهات و المسبقات و الفرضيات.
ولا بد لنا من الملاحظة بأن كل من تلك الأطراف الثلاثة يملك مطلقاً يؤسس من خلاله لنسبية الواقع. فاللاديني يعرف نفسه بالسلب ليملك الفرصة لاتخاذ مطلق و قد يصادف أن ينجو اللاديني من اغتراب مقدس ليقع في اغتراب آخر غير مقدس و لكنه أشد وطأة من سابقه فقد يغدو شوفينياً, فيتخذ من مطلقه المتمثل في سمو عرقه القومي مبرراً لانتهاك كرامات كل المختلفين معه قومياً و بكل الأشكال و لنا في التجارب النازية والفاشية والعربية خير دليل على ذلك.
أما الألوهي فهو يتخذ من الله المنظم للكون و راعي الإنسان مطلقاً له يزوده بالأمل و يكون أفيوناً لمخاوفه. و العلماني يتخذ مطلقاًَ له يكون متناسباً مع واقعه و تطلعاته الاجتماعية.
و إذا كان لا بد لنا من إعطاء أحكام قيمة تفصل بين هذه المواقف, فالعلماني هو الأكثر تصالحاً مع الذات من الناحية الفكرية و الأكثر انخراطاً في الإنتاج ولكن اللاديني هو الأهم حسب الظروف  التاريخية و الاجتماعية لمجتمعاتنا العربية أما الألوهي فهو كسول حيث يميل إلى السرعة في التعميم معرفياً و يسعى نحو المواقع البيروقراطية إنتاجياً.
و في سفره الضخم –نقد العقلانية العربية- وضّح المفكر الياس مرقص عبثية الموقف النسبي العدمي  لدى عدد من الهامات الفكرية العربية كالباحث الاقتصادي سمير أمين و النقطة الرئيسية التي أكد عليها في مواجهته للعدمية النسبية  ترى إلى أن الغرب قد ثمّر المطلق معرفياً و اجتماعياً و أخلاقياً وقانونياًُ وأن المطلق هو من أسّس لنسبية الواقع و الفكر و المعرفة و لتسامي الحقيقة.
فمن الناحية المعرفية, ما كان بإمكاني كتابة هذه المقالة الكترونياً لولا مقولات كاللانهاية و التي تشكل أساس التحليل الرياضي و الذي يعتبر أحد أدوات تطوير الكهرباء الرقمية و كذلك لولا تصنيف النبضات الكهربائية في مستويين منطقيين 0,1 لما كان بإمكاننا الاستفادة من جبر بول و تسخيره في الدوائر الرقمية, و يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك فلو لم يخترع الإنسان اللغة و التي تشكل أحد أساليب نمذجة الواقع, وكل نمذجة هي حد لفضاء النسبي أي بلورة مطلق ما, لما كان بإمكاني التعبير عن أفكاري عبر هذه المقالة و لو لم يقم اليونانيون بتطوير أدوات لغوية كالمفهوم للتعبير عن التفكير الفلسفي المختلف عن التفكير الميثولوجي لما كان بإمكاني كتابة هذه المقالة و التي تندرج في النقد المعرفي و لا يسعنا إلا أن نقول مع أفلاطون بأن المطلق أساس المعرفة و مع هيغل بأن المطلق هو عنصر الفلسفة كما الماء عنصر السمك.
و من الناحية الأخلاقية, لو لم يقم الإنسان بصياغة الأديان على أساس الخطايا العشر لما انتصر الأنا العقلي على الهو الغرائزي  في العقل الجم
عي و لو لم يقم الفرد منا بتحديد قيم أخلاقية عليه سلوكها لفقد أدنى درجات التصالح مع الذات و اكتسب أعلى درجات القلق الأخلاقي و العبثية الاجتماعية ولو لم تبلور الحضارة البشرية منظمات قضائية – و لا بد لنا أن نذكر بطبيعتها الطبقية مما يشوه عدلها- لانهار الاجتماع الإنساني.
حيث المحكمة في جزء منها هي تعبير عن الكوابح الأخلاقية التي تحد سلوك الفرد الأخلاقي و هذه الكوابح استمدت من دراسة حالة المجتمعة في لحظة تاريخية معينة و أهملت –و هنا نتبين توظيف المطلق- التغير الكمي للواقع و لا تجدد قوانينها إلا في حال التغير النوعي لحركة الواقع الاجتماعي.
و من الناحية الاجتماعية, فإن المواطنين في الأنظمة الديمقراطية ينتخبون رئيساً للبلاد أو عمدة للبلدة أو نائباً للبرلمان يعبر عن تطلعاتهم الاجتماعية و لكن توجهه لا يطابقها تماماً, أي أن الشعب لا يحكم نفسه بنفسه بهذه البساطة و إنما عبر وسائط  كالرئيس و العمدة و النائب البرلماني و ما هذه الوسائط إلا نتاج الصفة الإطلاقية للممارسة الاجتماعية .
و من الناحية القانونية, فقد أكد مونتيسكيو في عصر الأنوار الأوروبي على ضرورة قدسية الدستور للحد من فضاء الديمقراطية بما يحافظ على الإنتاج الذي يشكل الشرط الأساس لأي اجتماع بشري ولعل هذا ما ينقص أغلب مثقفينا فهم قرّاء جيدون لستوارت ميل و لكنهم غالباً ما ينسون قراءة مونتيسكيو لتتحول ديمقراطيتهم إلى ديكتاتورية أغلبية لا يحدها أي قيد يحفظ حقوق الأقلية.
و لعل التمثيل الأبرز  لموقف الإلحاد يتمثل تاريخياً في ظاهرة انتشار الأفكار العدمية و العبثية في أوروبا في الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي بعد الحرب العالمية و ظهور فضائح السلطة السوفيتية في المؤتمر العشرين وقد عبر عنها عدد من التيارات الفكرية-كما في البنيوية- و الحركات الفنية –التيارات العبثية في التصوير و المسرح و الشعر- والفرق الموسيقية -فرق الروك والرول- حيث انتشرت ظاهرة الانتحار و علت الأصوات الناقدة للحداثة لتعلن موت كل شيء و في مقدمتهم الإنسان.