ثقافة تحت سقف الوطن

20 تشرين الثاني 2011
قد تبدو هذه المقالة متأخرة عن مواكبة الحدث، فالبيض الذي سال على وجوه المعارضين السوريين أمام مقر الجامعة العربية كان من المحتمل أن يفرّخ منذ يوم الحادثة حتى يومنا هذا، ولكن لا بد لي أن ألفت النظر إلى أن هذه المقالة هي محاولة للتفكّر في دلالات هذه الحادثة أكثر مما هي محاولة لخوض سجال سياسي إعلامي ضد أو مع هيئة التنسيق والشخصيات المعارضة المستقلة التي رافقتها، ولا بد لي أن أوضح أيضاً أن هذه المقالة هي في أحد وجوهها محاولة إدانة لهذا التشبيح الشنيع ومحاولة لضم صوتي إلى أصوات المثقفين القلائل الذين أداونوا هذه الحادثة وعرّوا دلالاتها على الرغم من ازدهار الثقافة وضجيج الصحف العربية بالأقلام السورية في شهور الانتفاضة الأغنى من عمر سوريا.
لا يكتسب هذا الحدث عمقه من ذلك التصرف الصبياني وخصوصاً إذا تذكرنا قالب الكاتو الذي رسم وجه ساركوزي أو غيرها من الحوادث التي تحتفي بها المجتمعات الديموقراطية ويحق لمجتمعاتنا أن تكرسها كتعبير احتجاجي مشاغب ولطيف، وإنما تكتسب دلالاتها من مسألتين أسايتين، أولهما، تبني بعض أطياف المجتمع السياسي السوري المعارض لها

والذي تكشف بعد الحديث عن تورط الهيئة العامة للثورة وتنسيقية القاهرة  وشباب الأخوان المسلمين وبعض الشخصيات اليسارية والمعارضين المستقليين في التنظيم لهذا الحدث أو عبر صمت المجلس الوطني وأغلب مثقفيه عن الحادثة. أما المسألة الثانية، فهي التناول الإعلامي للحدث والتنويه مدى قدرة الإعلام على نظم إيقاع مقولات أكثر المثقفين نقدية !
هيئة التنسيق ترى أن النظام لا زال قويا وأن ميزان القوة لم ينقلب لصالح الثورة بعد، إنها ترى أن النظام قادر على إيصال الشعب السوري إلى اللحظة المرة عبر حشره في معادلة كالتالي: إما بقاء الدولة وتماسك المجتمع وإما الحرية، إنها ترى مقدرته على ذلك من خلال الأوراق الأقليمية التي يمتلكها والتي تهدد بإشعال المنطقة، والقدرة على المناورة والمماطلة التي يكتسبها النظام عبر تحالفاته الإقليمية والعالمية، ومن خلال محافظته على معادلات داخلية تهدد بتفجير حرب أهلية، إنها لا تثق بجدية وشفافية أنصار الثورة من البيت الأبيض إلى سمير جعجع!
وبناءاً على هذه المعطيات تبني هيئة التنسيق رؤيتها، إنها ترفص عسكرة الثورة وتدافع عن سلميتها، تعول على قوة الشعب وقدرته على اللجوء إلى اساليب احتجاج جديدة من التظاهر إلى الإضرابات وصولاً إلى العصيان المدني كقوة أساسية ورهان مركزي، إنها تتمنى أن تختفي ظاهرة الجيش السوري الحر أو على الأقل ألا يستحيل الوضع إلى “”لا صوت يعلو فوق صوت الجيش السوري الحر”، إنها تعول على بناء معادلة جديدة تجبر النظام إلى اللجوء لحل سياسي عبر حوار ينتهي بتسليم السلطة والانتقال إلى رحبة الدولة الوطنية الديموقراطية، إنها تسعى إلى استنفاذ طاقات كل الحلول المترامية على رصيف “الطريق إلى التدويل”، والذي يمكن أن يؤدي إلى اقتتال أهلي وتوسيع لبنان وكردستان العراق وأزمة محروقات قد لا تجد حلاً إلا باستبدالها بدماء الشهداء الوفيرة !
ما من غبار على هذه الرؤية حسب الكثير من المثقفين والمعارضين ولكن الغبار كله على بنية هيئة التنسيق، فترهلها وشيخوختها لم يسمحا لها أن تكون قوة سياسية جوانية مما أفقدها القدرة على قيادة الثورة أو حتى التأثير فيها ، لم تستطع أن تتفاهم مع المجتمع الأهلي المنتفض، ولا مع القيادات الشبابية، لم تستطع احتواء عنفوان هذه القيادات والـتأثير فيه وتحويله إلى فعل ثوري يخدم رؤيتهم، ومن ناحية ثانية، لم تستطع أن تلعب لعبة الإعلام بحرفية، فلم يستطع المثقفين المرموقين من أمثال ميشيل كيلو وحسين عودات خيانة خطابهم ومهادنة البلاهات الإعلانية، ولم تتمكن هيئة التنسيق من تظهير أو استقطاب مثقفين شباب متمرسين في ألعاب الخفة الإعلامية وقادرين على خوض حرب تسجيل النقاط واستجداء التعاطف.
ليس هذا الاستعراض لرؤية هيئة التنسيق وذاك النقد لها إلا تمهيداً للقول بمعقولية واحتمالية رؤية الهيئة انطلاقاً من موقع ناقد لها وغير محسوب عليها، وما ذلك الموقف إلا صرخة احتجاج على تلك الهيولى القميئة من المواقف المنددة بهيئة التنسيق من منطلق تخويني وعبر “زعبرات فيسبوكية” ومماحكات إعلامية رخيصة وهي من ناحية أخرى صرخة احتجاج على صمت هيئات ومجالس يفترض بهم أن يمثلوا الشعب السوري وأن يعبروا على روحية سوريا الثائرة من أجل الحرية والكرامة والمعاكسة تماماً لهكذا أفعال رخيصة.
إنها صرخة احتجاج على التلاعب الإعلامي الرخيص وعلى قدرته على توجيه الرأي العام وصناعته، أحد اصدقائي من ذوي العقليات النقدية لا يستطيع أن يمسح من ذاكرته تلك الصورة التي أخرجتها الجزيرة عندما استضافت في أحد برامجها المنسق العام للهيئة حسن عبد العظيم مع حارس كرامة سوريا وأحد أجمل رموز ثورتها عبد الباسط الساروت وفتحت باب الحوار بينهم، إنه لا يستطيع أن ينسى خشبية عبد العظيم أمام تضحيات الشهداء وبطولة الساروت !. لا يمكن لأي إنسان إلا أن يخجل أمام بطولة حمص ورمزها الساروت، ولكن هذا الإخراج الماكر من الجزيرة  والذي يذكر بالأفلام الهوليودية الرخيصة لا يفيد إلا في تجذير الغوغائية والانحدار نحو الشعبوية.
إنها صرخة احتجاج على صمت المثقف الذي يوحي بالتواطؤ أكثر مما يوحي بأي شيء آخر، لقد أخلى الساحة لـ”مثقفي الفيس