المكر الإلهي و إبليس الشهيد

8 حزيران 2008
” يا هذا .أتظن أني أخطأت التدبير. ورددت التقدير. وغيـّرني التغيير. لا وعلو عزته. وسنا قدرته لكنه خلق الحسن والقبيح. والمستقيم والصحيح.جمعا بين الشيء وضده. ليدل على كمال قدرته. فان الأشياء لا تعرف بين الشيء وضده. فجعلني في الأول اعلم المحاسن في الملا الأعلى فأبينها للأملاك. وأزين بها الأفلاك. فكنت معلم التوحيد. فلما طالع أطفال المكتب أمثلة توحيدهم. وحققوا حروف هجاء تقديسهم وتمجيدهم. نقلني من العالم الأعلى إلى العالم الأسفل أعلمهم ما هو ضد ذلك فأبين لهم القبائح وازينها لهم. فبي عرف الحسن والقبيح. وميز المستقيم والصحيح. فأنا في الأرض والسماء. عريف العرفاء. معلم العلماء. فأنا معجز القدرة. ومشاهد حضرة الحكمة. فمن هو في الحضرة أدنى مني. ومن هو في الذكر أشهر مني. فلي شرف إذ ذكرني. وان كان لعنني. ولي فخر إذ نظرني. وان كان قد طردني. فبمعرفتي له أنكرني. ولحيرتي به حيرني. ولغيرتي عليه غيرني. ولخدمتي خذلني. ولصحبتي حرمني. فالآن وقتي به أصفى. وحالي معه أشفى. لأني كنت اخدمه لحظي. ولأني اخدمه لحظة. فارتفع الحظ من البيت. وأنت تظنه بين. فلئن كنت قد سقطت من العين. فقد وقعت في عين العين” .(1)

هذه هي حقيقة إبليس كما تتبين عبر صفحات الدراسة التي قام بها المفكر النقدي صادق العظم عام 1965 و المعنونة بمأساة إبليس. فإبليس حسب هذه الدراسة الميثولوجية هو ذلك الملاك (الشهيد حسب توفيق الحكيم و البطل الذي سيكلل بالغار عند يوم الدين حسب العظم) , الذي لم يضارعه أحد في توحيد الخلق, و الذي اكتشف سيناريو المكر الإلهي و كان الضحية البطل الأكثر مأساوية لها .
سأحاول في السطور التالية إعادة إنتاج سمات إبليس تبعاً لدراسة العظم و بشكل مدرسي نسبياً  نظراً لأهمية هكذا دراسة و أهمية إعادة إنتاجها في الصحافة العربية المعاصرة.
فقد كان إبليس قبل الامتحان الرباني واحداً من الملائكة ذوي الطبيعة النارية الأرقى من الصلصال الذي جبل عليه الإنسان , و كل ما كان يقوم به إبليس و زملائه من الملائكة يتجسد في تنفيذ المشيئة الإلهية و توحيد الله و تسبيحه. فـ “سيرته تبدأ بوصف لمكانته المرموقة في نظام الملأ الأعلى وعرض للمنزلة الرفيعة التي كان يتمتع بها بين الملائكة قبل طرده من الجنة.يقول الإمام عز الدين المقدسي في كتابه”تفليس إبليس” مخاطبا الشيطان:
” وأنت الذي خلقك الله بيد قدرته , وأطلعك على بدائع صنعته, ودعاك إلى حضرة قربته, وألبسك خلع توحيده, وتوّجك بتاج نورك , ويستأنسون بحضورك , ويهتدون بعلمك ، ويقتدون بعملك . فما برحت في الملأ الأعلى. تشرب بالكأس الأملى . وتتلذذ بالخطاب الأحلى . طالما كنت للملائكة معلما وعلى الكروبين مقدما”(2).
و تأتي المرحلة الثانية من حياة إبليس حيث يتعرض هو و الملائكة للاختبار الحاسم عندما يعرض الله عليهم مشروعه المستقبلي بجعل آدم خليفة لله على الأرض, لتعترض الملائكة بحجة أن آدم سيفسد في الأرض و يسفك الدماء و أنهم أصلح منه لذلك, و يوضح الله له أنه يعلم ما لا يعلمون حيث يطلب من آدم أن يخبر الملائكة بأسمائهم بعد أن لقّنه إياهم و من ثم يطلب الله من الملائكة – و طلبه في عداد الأمر الإلهي و ليس المشيئة الإلهية حيث الأمر قابل للعصيان و هو مجال التخيير أما المشيئة الإلهية فهي مجال الحتمية و التسيير-  أن تسجد لآدم فتقوم الملائكة بذلك إلا إبليس الذي يرفض هذا الطلب الإلهي حفاظاً على التوحيد الذي يجسد ماهية المشيئة الإلهية – الأسمى مكانة من الأمر الإلهي-  فيتظاهر الله بالغضب من إبليس -هذا التظاهر هو أحد التجليات للمكر الإلهي- و يلعنه لعنة حتى يوم الدين و من هنا يتضح معدن البطولة عند إبليس و تبدأ مأساته التي يتضح من دراسة العظم أنها أمرّ و أشقى من مأساة أوديب و انتيجونا و من الجزء المأساوي لقصص  أضحية إبراهيم و فقر أيوب .
ويمكننا تبيان هذه السيناريو من النص الإسلامي الذي يقوم على أساسه بحث العظم حيث ” تصف لنا الآيات القرآنية ماذا حدث لإبليس وكيف عصى ربه فلعنه إلى يوم الدين وطرده من الجنة:
“وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك, قال إني اعلم مالا تعلمون.
وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنت صادقين.
قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم.قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني اعلم غيب السماوات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين” البقرة:30 -34 “(3)
إن احتواء الآيات القرآنية على محاججة تزعّمها إبليس تؤكد لنا أن السجود لآدم هو أمر إلهي يقبل العصيان و ليس مشيئة إلهية و هذه المحاججة ترتكز على نقطتين أساسيتين الأولى حين تذكّر الملائكة الله بأن آدم سيفسد في الأرض و يسفك الدماء و الثانية التي تفرد فيها إبليس بعد إعلانه الرفض حيث قال “أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين” و لكن ” وعند إمعان النظر بحجة إبليس .. التي تتألف من مفاضلته بين جوهره (النار) وبين جوهر آدم (الصلصال) نجد أنها لم تكن استكبارا وفخارا بقدر ما كانت استذكارا لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه.وهذه الحقيقة هي أن الله لم يخلق الطبائع على درجة واحدة من السمو والكمال وإنما ميز بينها, ليس م
ن حيث خصائصها الطبيعية والمادية فحسب بل من حيث درجات كمالها ورفعتها أيضا” (5) حيث أن تدنّي مرتبة إبليس دون تغيير ماهيته النارية مخالف للمشيئة الإلهية.
بعد هذه المحاججة و القرارات الناتجة عنها و المتمثلة في طرد إبليس من الجنة تبدأ مأساة إبليس و المتمثلة في خروجه من الجنة و معاشرته للآدميين الأدنى منه مرتبة من حيث الشكل و الطبائع كما أسلفنا.
و لكن إبليس يكتشف سياسة المكر الإلهي بذكائه و يقوم بمساعدة الله على تنفيذها نظراً لحبه له .
سياسة المكر الإلهي هذه تتمثل في ” أن الله كان يبدي لإبليس من الرضا غير ما شاء له من مصير وأضمر له من قدر ومحنة وخاتمة.أي انه مكر به فأمره ظاهرا بالسجود لآدم ولكنه شاء له ضمنا أن يعصي الأمر حتى يكون له حجة على إبليس ليفعل به ما شاء وينفذ فيه قضاءه وقدره. لم يكن أمر الابتلاء إذن سوى أداة المكر الإلهي غايتها تنفيذ أحكام المشيئة وتبريرها أمام مخلوقاته فتصبح بذلك مقبولة في أعينهم فلا يكون لهم حجة عليه فيما يفعل بهم.

ولكن من مكره أراد للعباد أن يعتقدوا بغير ذلك وبأن ينسبوا النقيصة والقبيحة إما لأنفسهم.. أو إلى تلبيس إبليس وغوايته ، وان ينسبوا الخير والعدل والرحمة إلى الله كما فعل آدم عندما قال:” وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين”. بالإضافة إلى ذلك يحسن للعباد من الناحية العملية، أن يعتقدوا بصورة عامة أن لله عدوا اسمه إبليس اللعين هو مصدر الشر والزلة والخطيئة، لأنهم لو آمنوا عن حق أن الله هو مصدر بلائهم ومصائرهم التي تحيط بهم من كل جانب لما تحملت عقولهم هذه الحقيقة فيفقدون صوابهم ويكفرون به وبنعمته
كتب الإمام المقدسي على لسان إبليس ما يلي:
” وبعد ذلك. فانه جعلني سببا لوجود الزلة. وعلة لتوجه الأمر والنهي. وفي الحقيقة لا على لأمره.. ولا معقب لحكمه. ولا سبب لبعد أعدائه. ولا نس لقرب أوليائه. فان الله تعالى غني عن خلقه..قائم بنفسه.. قيوم بعباده.. لا تنفعه حسنات المحسنين. ولا تضره سيئات المسيئين. فقد نفد حكمه. ومضى شقاؤه. وجف قلمه بما هو كائن في ملكه.. إن شاء عذّب وان شاء عفا. لا يلزمه إثبات الوعيد. بل الأمر إليه في وعيده. والمشيئة إليه في تهديده. فله أن يعذب بلا سبب. وان يعد بلا نسب ولا مكتب” “(6).
أي أن سياسة المكر الإلهي يقوم على تمويه الطبيعة الحتمية لكل ما خلقه الله و هي تشبه إلى حد كبير تلك السيناريوهات التآمرية (المحكمة منها) التي تتحدث عن الماسونية و المحافل اليهودية و غيرها من الجمعيات السرية التي تحكم العالم ..أي أن الله هو الذي يقوم بكل شيء من دون أن يشعرنا بذلك و على العكس فإنه يشعرنا أننا نحن أصحاب الفعل بخطئه و صوابه.
أما كيف يكتشف إبليس هذه السياسة فيتضح من خلال التركيبة النحوية للآية القرآنية :
” قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين” الأعراف 13.
و نلاحظ أن إبليس ” أحال .. جحوده إلى مصدره الحقيقي والنهائي بقوله:”فبما أغويتني” فأعطى بذلك لله ما لله ولم يعط لقيصر شيئا لأن قيصر لا يملك شيئا على الإطلاق بالنسبة لإبليس ولا حول له ولا قوة حتى تنسب له أي شيء”(7).
ستستمر حال إبليس كذلك إلى يوم الدين ذاك اليوم الحاسم الذي سيتضح فيه أن إبليس كان أعظم الموحدين لله, حيث سيكشف الله أوراقه و يبين أن نزول إبليس إلى الأرض كان مؤقتا وأن عودته إلى الجنة كانت حتمية, و أن ما قام به إبليس كان تجسيداً للمشيئة الإلهية.
هذا التوقع الذي فاجئنا به العظم مبني على طبيعة الخاتمة في المآسي الدينية, حيث أنها لا بد أن تنتهي نهاية سعيدة توضح لنا رحمة الله و مصير الصابرين على امتحانات الله العسيرة.
و يستنبط العظم هذه الطبيعة في المآسي الدينية من مأساة إبراهيم الخليل حين يطلب منه الله تقديم ابنه إسحاق – حسب رواية الطبري- قرباناً وحين يشرع إبراهيم في تنفيذ الطلب ينقذ الله إسحاق في آخر لحظة بكبش فداء, و يدعم العظم هذا الاستنباط من خلال قصة صبر أيوب المعروفة.
إن مثل هذه الدراسات الفريدة تمثل قمة التفكير النقدي في المجال الثقافي الذي طالما أنكره مثقفو العالم العربي، و التي أصبح العالم العربي في أمس الحاجة لها اليوم بعد فشل المشاريع التنموية و تدهور الثقافة الشعبية و صعود الإسلام السياسي و مهادنة السياسات الثقافية العربية للموروث و دخولنا في حقبة العولمة التي تقودها ثقافياً الوضعية العنصرية و ….

(1)     “تفليس إبليس” عز الدين المقدسي ص 22-23
(2)     مأساة إبليس صادق العظم
(3)    المرجع السابق
(4)    المرجع السابق
(5)    المرجع السابق
(6)    المرجع السابق
(7)    المرجع السابق