المثقف العربي بين الممكن والواجب

18 أيلول  2008في واقعٍ مهزوم الماضي تاهت فيه التحليلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغاب عنه طيف أي كتلة تاريخية قادرة على نقل المجتمع العربي إلى حقبة أكثر تقدماً تكون جابّة لما سبقها من حقبٍ كرست في وجدان الفرد ثقافة الإلغاء و”الفهلوية” والاستسلام و غيّبت عنه أهم القيم الحديثة، وانتقل فيها النظام الرأسمالي العالمي إلى حقبة جديدة وعاها المثقفون وسمّوها بالعولمة والتي لم يصلنا منها سوى تشديد الحصار من أجل إلغاء الحدود الجمركية والخصخصة وتحرير التجارة و الغزو الثقافي وتكريس الهيمنة الأدلوجية والتنازل عن ذلك اليسير الذي تم تحقيقه من إصلاحات اجتماعية واقتصادية في ما يمكن تسميته بالحقبة الثورية أو حقبة التحرر الوطني، في مثل هذا الواقع نجد المثقف العربي تائهاً بين الكتب الصفراء السعودية أو السوفيتية والتي تحاول استحضار مجد ماضٍ أو بين مكاتب أحزاب عاجزة عن التأثير في مجتمع “لا طبقي” تظلله السلطة التوتاليتارية (1) وهنا لا بد من التنويه إلى أن صاحب هذه السطور قد كتبها وهو يعلم أن مقالات بمثل هذه العناوين يجب أن يكتبها مثقفون مخضرمون ولكنها كتبت كنوع من مساءلة الذات قبل إملاء المهام على الآخرين.

ففي ضوء هذا الواقع، أرى أن المهمات الأساسية المطروحة على المثقف العربي تتمثل في بعدين أساسيين, البعد الأول يقوم على بلورة صيغ عقلانية لجهاز دولة حديث وحشد حامل اجتماعي لها, بحيث تصبح دولة القانون والحق والأخلاق وتستدرك ما قامت به الدولة الحالية والسلطة التي تسيّرها من خراب في الأخلاق والثقافة ومن حصار على وجدان أفرادها فكانت الكابح الأساس لكل طاقة كامنة تسعى للانعتاق, والمغتصب الأقذر لشخوص أفرادها القانونية والأخلاقية، والمجهض الرئيسي لكل مشروع إنتاجي يعود على البلد بالخير والعمل. فالمثقف في هذا الواقع معني بمسائل إحياء جنين المجتمع المدني وثقافته وإصلاح السياسة ابتداء من إصلاح الفكر السياسي إلى إصلاح المؤسسة السياسية العربية إلى بلورة مشاريع لدولة بديلة، وكيان عربي موحد يوقف المهازل المستمرة التي نتشرف باحتضانها!.
أما البعد الثاني فيقضي بتحرير وجدان الفرد من الماضي وتأهيله ذهنياً لدخول ميدان المستقبل بأقل قيود تكبح خطاه نحو مستقبل العمل والخطأ (2) والأخلاق. أي على المثقف تحقيق وتحليل ونقد التاريخ العربي وقبل ذلك بلورة اتجاه فكري يحمل منهجاً في المعرفة التاريخية قادراً على إعادة كتابة التاريخ وإظهار تاريخية المقدس وهذا البعد يتمثل في استحضار التراث العربي العقلاني الاعتزالي و الرشدي ومرحلة الأنوار الفرنسية وماركس كناقد للفلسفة الألمانية الكلاسيكية هذه المصادر التي تكشف النقاب عن كل استلاب ثقافي وفكري مقدساً كان أم غير مقدس. وعليه في هذا البعد أيضاً أن يتزود بفلسفة عربية تستوعب تاريخية الحقيقة وإنسانية التاريخ, فمن دون ثقافة تعترف بتاريخية الحقيقة وإنسانية التاريخ لن يشهد عالمنا العربي حركة إصلاح ديني تحتفظ بالجوهر الروحاني والأخلاقي للدين وتضع له الحدود في تدخله في الحياة الاجتماعية والسياسية. وعليه أيضاً أن يقوم ببلورة نظرية في الديمقراطية بأبعادها المعرفية والفلسفية والتاريخية والسياسية والقانونية والاجتماعية .أي جل ما هو مطلوب في تصوري مدرسة فلسفية عربية تدرس الحداثة الغربية الفكرية والواقع العربي وتزودنا بأرضية فلسفية قائمة على التواضع أمام الحقيقة وعلى وضع الحدود أمام المقدسات وحفز الفكر الديني واستثارته بما يضمن تقدمه على خطى المنطق والمنهج، ومدرسة تاريخية عربية تتزود بنظرية حديثة في المعرفة التاريخية وتحقق التاريخ العربي وتعيد كتابته بعد نقض كل تزوير استعماري وعروبي تطاول عليه، ومدرسة في النقد الأدلوجي تمحص المقولات الأدلوجية السائدة وتنقدها وتبلور أدلوجة عقلانية تضمن دخولنا عالم المستقبل.
وهذه المهام التي على المثقف العربي أن يضطلع بها تنطلق من تعريف للمثقف يرى إليه على أنه مواطن يسعى إلى دراسة الواقع ونقده بغية التعبير عن الممكن الأخلاقي والحديث الذي يبشر به هذا الواقع  سواء من خلال تحديث الثقافة المؤسساتية والسلوك الفردي بحيث يصبح عصرياً يحفز الفرد على الإنتاج أو عبر تدبّر الحلول لتحقق ذات الفرد في مجتمعه وإرسائه على بر من الطمأنينة الذاتية أو عبر بلورة تعبيرات وأدلوجات حديثة لقوى اجتماعية قادرة بالممكن وبالفعل على إحداث تغيير في بنية التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية.
وبالعودة إلى مسألة تحديث جهاز الدولة لا بد لنا من التأكيد على عدد من النقاط تمثل المحور الأساس في عملية التحديث المذكورة فلا بد لدولة حديثة في عالمنا الراهن من قطاع اقتصادي يغطي احتياجاتها المتزايدة في واقع معولم حيث تُطالَب فيه بالحفاظ على الهوية القومية ودعم الثقافة الوطنية والتخفيف من التفاوت الطبقي وتأمين الأحوال المعيشية ومجابهة الكومبرادور ودعم القطاع الصناعي. و كذلك لا بد لكل دولة حديثة من دستور و قانون أحوال شخصية ومدونات قانونية تحيل الدولة إلى دولة لكل مواطنيها – على الأقل من الناحية الثقافية- دون تمييز بينهم من حيث الجنس أو الدين أو الاتجاه الجنسي … الخ . والمطلب الأهم يتمثل في برلمان يكون تعبيراً عن إرادة الشعب وعن وعيه الطبقي وعن الموقع الإنتاجي للطبقات, ولابد أيضاً من إنعاش المؤسسات وترسيخ ثقافة مؤسساتية حديثة تقوم على المواطنة واحترا
م قدسية الدستور من خلال جدل الفرد والمؤسسة ولا بد أيضاً من تغيير جذري في المؤسسات التربوية والتعليمية فالدولة مربي المربين ولهذا نرى أخلاقنا الموضوعية منحطة حالياً ولن تنتعش إلا بعلمنة المؤسسات التربوية وتحديثها من حيث المناهج وأساليب التواصل التربوي و المعرفي خصوصاً وأن نقد ماركس الشهير لفويرباخ لم يعد دقيقاً تماماً بالنسبة للعالم العربي وذلك بسبب القدرة على الاستفادة من الغرب تربوياً وتعليمياً حيث ” لم يعد للتاريخ العربي الحديث من معنى بدون أوروبا بعد القطيعة الحاسمة التي صنعتها حداثتها الفاتحة مع تاريخنا السابق تماماً كما أنه لم يعد من معنى لتاريخ بلاد فارس بعد معركة القادسية بدون العرب والإسلام وبعد القطيعة الحاسمة التي صنعها الفتح العربي مع تاريخ إيران الغابر” كما يقول الدكتور العظم (3).
و بالعودة إلى البعد الثاني لا بد لنا من الاعتراف بصعوبة المهمة فمن دون مجتمع صناعي لن تتعزز مقولة الشغل والإنتاج وبالتالي لن تتعزز ثقافة إنتاجية تسمح لتيار ثقافي حداثي بالتأثير في سلوكيات الفرد ولن تعطيه الموقع الذي يكون فيه مؤثراً أو عضوياً في مجتمعه وبالعودة إلى خيار التصنيع وبدراسة احتمالاته لا بد لكل اقتصادي موضوعي أو مراقب نزيه أن يعترف بتدني تلك الاحتمالات وكذلك فإنه “بغياب أي نموذج للممارسة العلمية العربية المنتجة للمعرفة في ميادين العلوم الطبيعية والدقيقة عموماً وذلك على امتداد فسحة الحداثة العربية بأكملها ودون استثناء، لا غرابة في أن تحل الأيديولوجية، بمعناها الأسوأ، محل إنتاج المعرفة الجادة والمستقلة .. في ميادين العلوم التاريخية والاجتماعية والإنسانية”(4) ولكن العلم الحديث والمؤسسات العلمية الفعالة تشترط حركة صناعية قوية تمول تجاربها وتوجه نشاطاتها وتستثمر فتوحاتها، ولا بد كذلك لإرساء العلم الحديث من ثقافة مدينية بعد أن تحول العلم إلى نشاط مؤسساتي وبعد أن تقلصت أسماء الأفراد المبدعين علمياً لتحل محلها أسماء الأكاديميات والمعاهد العالية. ولن ننسى ما تحتاجه اجتماعيات الثقافة الحديثة التي نحتاجها بدورنا من ظرف سياسي وتاريخي مناسب، وبعد هذا كله، لا بد لكل مراقب تاريخي لحركات الحداثة التي عرفتها المجتمعات البشرية والتاريخ الإنساني من أن يقر بواقع جدلية شروط الحداثة وتشابكها ولكن على المثقف العربي كما يقول سعد الله ونوس أن يحمل تلك الصخرة كما فعل سيزيف و دون توقع لمكافأة.
وقد رأى عبد الله العروي منذ عام 1967 أن ” أبرز علامات تأخرنا هو تخلف الوعي عن الواقع، والثورة الفعلية في جوهرها هي رفع مستوى الوعي إلى مستوى الوضع، لأن في ذلك فهماً لذوات الأفراد، وإجابة عن مشاكل المجتمع وتحقيقاً لمرامي الأمة. وفي ذلك أيضاً انبعاث الإنسان العربي أي الاعتراف بانفصاله نهائياً عن إنسان العهد الوسيط ” (5)  ويكون سمير أمين أكثر مباشرة فهو يرى بأن” الشغل الأساس هو شغل على مستوى الأفكار.. فالأفكار الموجودة حالياً غير مقبولة. سكوت المثقفين كارثة، والتحالف مع المتطرفين مرفوض.. والتعاون مع السلطات القمعية لن يؤدي إلى مكان”(6) وكذلك يرى الياس مرقص أن “الفكر كله لا يصنع التاريخ، لكن ليس من تاريخ ممكن بدونه، خصوصاً الآن. لن يكون للعرب نهوض مما هم فيه، إذا لم يقم الفكر بمهمته كفكر”(7) وكذلك فإن صادق العظم يعتقد ” أن قيم التنوير جديرة بأن يدافع عنها، ويدافع عنها بقوة، ولا سيما أن هناك خطأ آخر ارتكبه اليسار يتمثل في إهماله القيم المرتبطة كلاسيكياً بالتنوير. أعني استخفاف الخطاب اليساري والممارسات اليسارية بأمور مثل المجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطن والحريات العامة والعلمانية.. الخ. وكلها أصبحت موجودة الآن على جدول أعمالنا بقوة. لم يدرك المشروع اليساري (وأصحابه) بأنه كان عليه أن يستوعب هذه الأفكار والقيم والممارسات بحيث تصبح جزءاً من حياتنا الفكرية والعملية إذا كان جاداً حقاً في تجاوزها إلى ما هو أرقى.”(8)
وبالعودة إلى مسألة الديمقراطية فإن سمير أمين يرى أن “الحل الوحيد فهو الصراع من اجل ديمقراطية مستقلة عن النمط الأميركي.. ديمقراطية مرتبطة بالمصالح الحيوية للطبقات الاجتماعية، كما يمثلها مجتمع مدني حقيقي، في إطار علماني – غير ملحد – يلغي استغلال الدين وأي إيديولوجية”(9) و سمير أمين اقتصادي ماركسي و بالتالي فإن أكثر ما يهمه هو البعد الاجتماعي للديمقراطية العربية المطلوبة أما مفكر مشتغل بالفلسفة من عيار الياس مرقص المشبع بالنزعة الإنسانية وبالتواضع أمام الحقيقة فإنه يؤكد أن “الديموقراطية هي موقف في نظرية المعرفة” و يريد ” الديمقراطية للجميع، نريد حقوق الإنسان، ويجب أن ندين الأيديولوجيات الانقلابية الهمجية هذه. ومنها الأيديولوجيات الإسلامية، والفكر الإسلامي الفاقد بحكم منطلقاته القدرة على تثمير المبادئ والمنطلقات الدينية الكبرى.”(10) وكذلك فإن المفكر صادق جلال العظم وهو من عرف بصولاته و جولاته في نقد الثقافة المعاصرة وتحليله للظواهر الثقافية واشتغاله بثقافيات الاجتماع يؤكد “أن العلمانية شرط من شروط الديمقراطية، أي ديمقراطية المواطنين، لا ديمقراطية الطوائف أو القبائل أو العشائر. وإذا كانوا لا يحبون كلمة علمانية فلا بأس وفي إمكانهم تسميتها حكومة مدنية. لن أناقش في التسميات لكنني لا أعتقد أن الديمقراطية ممكنة من دون حد أدنى من المجتمع المدني العلماني الذي يتجاوز الولاءات الطائفية أو الجهوية أو المذهبية أو العشائرية ويستوعبها في علاقة الم
واطنة وقيمها من دون أن يعني ذلك أن في العلمانية حلاً سحرياً للمشكلات والتوترات والصراعات المعروفة.”(11) و قد وجد جورج طرابيشي أن  ” الأصوليين – أو نفرا منهم على كل حال – يهددون، حتى قبل بدء الرحلة، بإغراق السفينة نفسها فور الوصول إلى مرفأ السلطة ” وذلك في تعاملهم مع قضية الديمقراطية” لذلك فهو يذكرنا بأن ” الديمقراطية هي في الوقت نفسه عقد، وكما في كل تعاقد، فإن التزام جميع الأطراف بشروط العقد شرط لقيامه وسريان مفعوله، والحال أن العقد الديمقراطي لا يقبل زغلاً أو تدليسا، وفضلا عن ذلك، فإنه سريع العطب، والإخلال بشرط من شروطه – وكم بالأولى إذا كان شرطه الرئيسي – يعادل إلغاءه من أساسه” و كذلك يذكرنا بأن ” مطالبة الأنظمة القمعية باحترام شروط العقد الديمقراطي، كمطالبة الحركات الأصولية به، هي إشكالية زائفة، فالطرفان كلاهما يقفان خارج نطاق العقد الديمقراطي”(12)
ومن أجل متدين فاعل إنتاجياً ومندمج اجتماعياً ومستقيم منطقياً وذهنياً لابد من نظرة إلى الدين ترى فيه متنفساً روحانياً ذاتياً يقونن العلاقة مع الله عبر أداء عدد من الطقوس وعبر معتقد يرى إلى الإنسان على أنه خليفة لله في الكون وأن الله قد خلق الكون وقد تقاعد عن عمله بعد ذلك .هذا هو الموقف الديني الذي يعترف بتاريخية الحقيقة و إنسانية التاريخ، ولكن عبر نظرة إلى المعتقدات الدينية بأغلبها نلاحظ عدم قدرتها على الملائمة مع هذه الشروط الفكرية وبدراسة التاريخ الغربي وحركة الإصلاح اللوثري المسيحية سنلاحظ أن الإصلاح الذي يمس المؤسسة الدينية لن يأتي إلا عبر ظرف تاريخي يجبر المؤسسة الدينية إلى التراجع عن الكثير من حدودها بكيفية براجماتية من الناحية الفكرية تُفقِد المتدين الاستقامة المنطقية والطمأنينة الذهنية.
و كي لا نقع في مطب الاقتصادوية لا بد من التوضيح بأن هذا الظرف التاريخي لا بد أن يحوي تياراً فكرياً قوياً يستفيد من دروس التاريخ ليوضح تاريخية الدين وإنسانية المقدس ويعري جذور كل اغتراب ثقافي.
وبالتالي لابد من أجل إصلاح الدين من نشاطات فكرية عديدة وغزيرة منها ما يقوم بإعادة كتابة تاريخ المراحل المقدسة بالاستناد على وثائق تلك المراحل وعلى عقلية تاريخانية عقلانية ماديانية (13)  ومنها ما يقوم بإعادة إحياء علم الكلام واللاهوت الإسلامي ويبرز مفارقاته ومنها ما يوضح تناقض التصور الديني مع التصور العلمي للكون والإنسان والوجود وما يفضح تواطؤ الثقافة الرسمية مع الدين الشعبي الخرافي لاستمالته وتخفيف استقطاب الصراع الاجتماعي ومنها من ينقد الدين من الخارج (14) ومن يصلحه من الداخل بالاعتماد على نظريات المجاز و القصص القرآني(15) ومنها ما يوضح الأدوات المعرفية الأجدى في تناولها ويعيد قراءة النصوص المقدسة وقراءاتها على ضوء تلك الأدوات(16).
وبالترافق مع حركة الإصلاح الديني لابد من جهود تزيل عن العلمانية اللعنة التي رافقتها في التاريخ الحديث ويستدرك الأخطاء التي قامت بها الأنظمة العربية في حقها بسبب من سلوكها التلفيقي ومنشأها الطبقي  ويرفض مداراة المثقفين في تناولها ولابد من الاعتراف أن العلمانية هي بديهة قيام أي مجتمع حديث من حيث هو مجتمع مواطنين لا نجتمع ملل ونحل ومن حيث كونه مجتمعاً يعترف بسمة القانون و من حيث هو مجتمع مدني ” فالشيوعية والرأسمالية اقتتلتا واختلفتا على كل شيء تقريباً بما في ذلك الموسيقى والرقص والأدب وحتى الرياضيات في بعض اللحظات. ولكن ثمة مسألة لم تقتتلا عليها قط هي العلمانية. أي أن التجربة الشيوعية التي عرفناها منذ ثورة أكتوبر 1917 كان فيها قاسم مشترك أساسي واحد على الأقل مع المعسكر المضاد أو المعادي هي بقاء العلمانية كضرورة من مستلزمات العصر لا يمكن الاستغناء عنها من دون الارتداد إلى شيء قروسطي ما، أي الخروج من العصر نهائياً. بعد انهيار النظام الشيوعي في بولونيا، حين حاولت الكنيسة في لحظة انتصارها التدخل في مسألة العلمانية باتجاه الحد منها وتصفيتها إن أمكن، حدثت ردة فعل فورية وشعبية لمصلحة علمانية المجتمع ومؤسساته ودولته وضد الارتداد عن إنجاز الحد الأدنى هذا، إذ لا مواطنة ولا مساواة أمام القانون ولا ديمقراطية جدية من دون مجتمع مدني علماني.” (17)
فالمثقف من حيث كونه صوت المجتمع المدني – وهو من يعنينا في هذا المقام- والمبلور لصيغه المفاهيمية والأخلاقية والقانونية و.. لا بد أن يكون مدافعاً عن العلمانية، وبالتالي عن المدينة وأخلاقها، تلك المدينة المكونة من مواطنين لا من قطعان، والتي يوجه العمل والمصلحة سلوك أفرادها داخل الاجتماع المدني والذين يعترفون بسمو دستور كانوا أطراف التعاقد عليه.
ولابد من تكرار الإشارة إلى أن العلمانية هي شرط الديمقراطية، ديمقراطية المواطنين لا “ديمقراطية المكونات” والديمقراطية اللاعلمانية هي ديمقراطية لبنان والعراق حالياً، وأين هي من الديمقراطية، إنها ديمقراطية تقرها البنى ما قبل المدنية. والعلمانية من ناحية ثانية هي شرط الاندماج الاجتماعي والسلم الأهلي في بلد لم يتجاوز البنى الطائفية والعشائرية وكان فيه “الدين لله والطائفية للجميع”، وهي بالإضافة إلى ذلك أحد شروط الإصلاح الديني الذي يمكن أن تعيشه الحركات الدينية المدينية، فالعلمانية أحد أهم المعايير التي تجعلنا نطلق اسم “مدينة” على تجمع بشري معين، والذي يكتسب أفراده ثقافة معينة تضطر الحركات الدينية إل الاعتراف بها وإصلاح قراءتها للدين على أساس هذه الثقافة العصرية وسيوضح لنا الدكتور عزيز
العظمة أن” الرافعة الحضارية التي شكلتها الكمالية في تركيا هي ما سمح بتوفر الظروف لتطور الحركة الإسلامية فيها ـ أو بالأحرى، تطور جزء من هذه الحركة، جزء صغير لكنه مؤثر ـ على شاكلة الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا .. إن فوز هذا الحزب (حزب العدالة والتنمية في انتخابات شهر يوليو) دليل على نجاح الكمالية، وليس على فشلها. إن تحولات التعبيرات والمؤسسات الدينية تالييْن لحركة المجتمع، وليس ثمة إصلاح ديني مستديم إلاّ بتنمية ثقافية واجتماعية فيها مقومات الاستمرار “.(19)
وبالنسبة لشروط العلمانية فلابد للعلمانية من مجتمع مدني فهو حاملها وهو ضمانتها فالعلمانية هي مطالب التكنوقراط والبرجوازية الصناعية والطبقة العاملة ويضاف إلى هذا كله في مجتمع فسيفسائي العديد من الأقليات الدينية والثقافية – ولعل هذه الأقليات أقوى حامليها في لحظات التغيير التاريخي – وبالنسبة لثقافيات العلمانية وتلك التساؤلات عن مدى انسجام العلمانية مع الإسلام فكما اتسق إسلام محمد عبده مع الأخلاق العلمانية ومع العلم الحديث يمكنه أن يعود ليتسق مع الأخلاق العلمانية عبر ظرف تاريخي آخر وما لحظات كحرب العراق و أحداث 11 أيلول واختناقات الإسلام التقليدي عبر أعمال العنف والواقع الذي آل إليه العراق بعد الاحتلال الأمريكي إلا سمات ظرف يعد إنتاج محمد عبده ليغير الكنية ويصبح محمد شحرور مع الاعتراف بأن محمد عبده كان شيخاً في الأزهر وهذا ما ينقص صاحبنا محمد شحرور وأن صعود قوة اجتماعية حديثة تغييريه وتاريخية عبر موقعها في العملية الإنتاجية لم يظهر بعد.
وفي سياق هزيمة الأيام الستة وصعود السلفية وتحول مثقف البيروقراطية إلى الشعار الساداتي :( دولة العلم “الإسرائيلي” والإيمان “العربي” ) فلا يمكن إلا تقديم تعريف للعلمانية بشروطها الدنيا يرى إليها على أنها ” الحياد الإيجابي للدولة وأجهزتها ومؤسساتها إزاء الأديان والطوائف والمذاهب والإثنيات التي يتألف منها المجتمع المعني بها” (18). وذلك لا ينفي ضرورة وجود نزعة نضالية ثقافية تسعى إلى تحديد دور الدين في الحياة العامة ومساءلة الفكر الديني وصولاً إلى مجتمع معلمن اقتداءاً بالتجربة الفرنسية.

(1) راجع حنة أردنت مجتمع بلا طبقات – موقع سؤال التنوير الالكتروني.
(2) حيث أن مقولة العمل تفترض مقولة الخطأ – راجع الياس مرقص (حوار العمر – دفاعاً عن الشر).
(3) د. صادق العظم من نص مداخلته في مؤتمر الحداثة و الحداثة العربية.
(4) المرجع السابق.
(5) عبد الله العروي الأديولوجيا العربية المعاصرة مقدمة الطبعة العربية صادر عن دار الحقيقة 1970.
(6) سمير أمين حوار مع جريدة الحياة 23/01/2006.
(7) الياس مرقص افتتاحية مجلة الحقيقة العدد الخامس 1982.
(8) د. العظم، حوار بلا ضفاف، مع صقر أبو فخر.
(9) سمير أمين مرجع سابق .
(10) الياس مرقص حوار العمر.
(11) صادق العظم حوار مع صقر أبو فخر.
(12) جورج طرابيشي مجلة “أبواب” الفكرية العدد (2) الصادرة عن “دار الساقي”.
(13) يمكننا التنويه بأعمال الأستاذ سيد القمني الاستثنائية في هذا المجال، راجع “الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية” أو “حروب دولة الرسول” .. الخ.
(14) يمكننا التنويه بكتاب صادق جلال العظم “نقد الفكر الديني” وبالأخص منه بحوث “مأساة إبليس” و ” بؤس الفكر الديني” .
(15) يمكننا التنويه بمجمل أعمال نصر حامد أبو زيد و محمد شحرور.
(16) يمكننا التنويه بمجمل أعمال محمد أركون وبعض أعمال سيد القمني.
(17) د.العظم، حوار بلا ضفاف، مرجع سابق.
(18) د.العظم، المرجع السابق.
(19) حوار مع د.عزيز العظمة في شؤون العلمانية والدولة والتاريخ(2) مع ياسين الحاج صالح، موقع الأوان.