لأنها مصياف!

545528_483467961692632_1152102030_nحازم السيد

بعد نجاح ثورة تونس شاع السؤال في مصياف، ألا تشبه مصياف  سيدي بوزيد، ألا يمكن أن تفجر مصياف ثورةً سورية.. هنا سرح بعض الحالمين .. هكذا تساءل بعض السذج..هكذا داعب الحلم عقول العديد من شباب مصياف !!مصياف هذه بلدة صغيرة يعكس تنوعهاالطائفي والثقافي خارطة سورية فيقول أحدهم “ناقصنا نحط كم بوذي عند دوار الكعكة .. منكون اختصرنا العالم !”لكل مجموعة نخبة، ولكل نخبة مشروع هيمنةٍ وتسييدُ لونها على فضاء مصياف، ولكن هيهات من مصياف اللون الواحد! ولا يمكن لجدران مصياف إلا ان تحتوي الوان كل الشباب والصبايا.هكذا لا تجد مصياف من يتسيدها .. ويصارع الجميع من أجل الهيمنة ولاينجح أحد ليبقى السؤال سيداً  .. أجمل ما في مصياف هو هذا الحضور .. حضور السؤال .. اسئلة كثيرة وأجوبة قليلة.

على الرغم من تشابهها مع الكثير من المدن الصغيرة ذات المجتمعات الأهلية ، تتسيدها ثقافة مدينية لا ندري أصلها ونعتز بها ونشكو منها لأنها تفشل مشاريع هيمنتنا ! .. نسيت أن أقول .. في مصياف  كلنا سياسيين .. وكلنا زعماء أيضاً .. ومع ذلك، قد تجد بعض الأنبياء .. ولكن المستحيل هو أن تجد مواطناً عادياً!

واندلعت الثورة .. ومصياف مذهولة .. بالثورة أولا .. وبوجودها خارج هذه الثورة ثانياً ..

لم تستطع الكثير من الحجج أن تريح وجدان مصياف، فلا الحساسية الطائفية التي تعرفها المدينة ولا صغر حجمها ولا اضمحلال المجتمع الأهلي فيها ولاغياب الزعامات الشعبية ولاغياب حدث دوري يجمع العالم كصلاة الجمعة استطاع أن يقنع مصياف بالسكوت .. ولكنها مع ذلك لم تحتضن  إلا السكوت !

لم يدم ذالك طويلاً، فمشاغبو الفيسبوك استطاعوا خلخلة الصمت المطبق على صدر المدينة، مرة يفضحون العوايني كذا ومرة ثانية ينشرون بياناً لم يعرف به إلا صاحبه ووصل صداه إلى الجزيرة وتتالى البيانات وتتالى الفضائح ويحتد الفرز في المدينة ويتوتر جوها رويداً رويداً، وبالطبع كاعلادة كان للأمن اليد الأطول في توتير جو  المدينة عبر نشر شائعات وتهييج العائلات المعروفة بمعارضتها واتهامهم بالتحريض وما إلى ذلك.

وتأتي اللحظة التي يقوم بها أحد أغبياء المنحبكجية باستثارة المدينة عبر إثارة فتنة طائفية، يتعهد الأمن بإبعاد الشاب عن مصياف، يفاجأ أهالي مصياف في اليوم التالي أن كلام الأمن كان ضراطاً على البلاط وأن الشاب لا يزال يشبح مزهواً بنفسه في شوارع مصياف،  يذهب الشباب والشباب فقط إلى  شعبة الحزب ويحتجون ليقول لهم أحد وجوه السلطة وابن النائب البرلماني ******** : إذا بتهتفوا للرئيس بنسجنلكون ياه ..

وفعلاً هتف الشباب وفي قلب شعبة الحزب ولكن للحرية ! .. وأخذوا يركضون باتجاه دوار الكعكة .. يركضون فرحاً لأنهم قالوها أخيراً .. يركضون خوفاً .. يركضون وحناجرهم تسبقهم ..  يصلون إلى الدوار .. يهتفون للحرية والشهيد ولدرعا .. ثلث ساعة من الهتاف .. اختصرت كل هتافات الأشهر الثلاثة السابقة من الثورة .. أمضوا ثلاثة أشهر وهم يسمعون الهتافات .. وفي ثلث ساعة حرروها كلها !

مضت المظاهرة على خير.. لا اعتقالات .. لا استدعاءات .. وإنما مقطع فيديو باسم مصياف على صفحات الثورة الفيسبوكية!

تعود الحياة إلى روتينها الموتور  .. تعلو الأصوات قليلاً  .. الا يجب أن نعاود التظاهر .. لا .. لا .. الآن وقت التهدئة .. مصياف لا تحتمل. تعمق هذه المظاهرة الفرز بين الناس .. أصدقاء يفترقون .. تختصر مصياف طوائفها إلى طائفتين : معارضة ومنحبكجية مع جناحها المسلح “الشبيحة” !

يمر الوقت، يزداد التوتر، يشاغب الفيسبوكيون، تزداد وقاحة الشبيحة، يستشهد الجيران في حماة ، يقوم أحد الفيسبوكيين بنشر قائمة عار طويلة عريضة، لا تترك أزعراً وشبيحاً من شرها، يقوم أحد زعماء الشبيحة بمهاجمة مقهى انترنت  وتحطيمه باعتباره أحد أوكار المعارضة وبحثاً عن ذلك الفيسبوك الذي داس على كرامته .. “وينو الفيس بوك .. وينو الفيسبوك .. قللولي أحسن ما كسر المحل”  .. ويكسر المحل على أعين الأمن!

تحتشد الناس أمام المحل، المعارضون يحتجون والمنحبكجية يدافعون، تندلع اشتباكات فردية، يخطب في الناس من يخطب، وهذا يلاحق ذاك الذي يصور المشهد وذاك يهرب، هذا يزود عن هذا، إنها الدوكة ! تستمر هذه الدوكة لساعتين أو أكثر وفي نهايتها يتحول الناس إلى شعب، يبدأون بالهتاف، يتضامنون مع حماة يهتفون للحرة والشهيد، يموتون ولا يذلون .. يتجولون في المدينة، يجتمعون عند دوار الكازية (دوار عبد الناصر) يزداد عدد المتظاهرين .. مظاهرة حاشدة فعلاً .. مظاهرة تستمر لساعات .. الأمن يقف أمام المظاهرة حائراً .. ماذا عليه  أن يفعل  .. ولا يفعل ..الشبيحة تجمع نفسها في حارة بعيد عن المظاهرة وتأتي ولا تأتي .. وتنتشي مصياف.

مضت المظاهرة على خير.. لا اعتقالات .. لا استدعاءات .. وإنما مقطع فيديو آخر باسم مصياف على صفحات الثورة الفيسبوكية!

تعود الحياة إلى روتينها الموتور  .. تعلو الأصوات قليلاً  .. الا يجب أن نعاود التظاهر .. لا .. لا .. الآن وقت التهدئة .. مصياف لا تحتمل.

يمر الوقت، يزداد التوتر، يشاغب الفيسبوكيون، تزداد وقاحة الشبيحة، يستشهد الجيران في حماة ويقتحمها الجيش، تنزح عائلات حموية إلى مصياف، وقبلها كان بعض المتظاهرين ينزحون إلى ساحة العاصي لتكون مصياف موجودة في كرنفال الحرية الحموي.

ويأتي الشهيد .. محمد وطفة .. شاب لم يتجاوز العشرين .. كان قد أخبر أهله أنه لن يقتل اي متظاهر ولن يوجه سلاحه تجاه صدورهم العارية .. فكان نصيبه رصاصة في صدره .. شاب .. وعمره أقل من العشرين .. في الخدمة العسكرية الإلزامية والكريهة.. لا يعتبر قضية  النظام قضيته .. قد لا يعتبر الحرية قضيته أيضاً .. قد يكون ابعد ما يمكن عن الهم العام .. إنه بريء، هذا ما سكن وجدان مصياف .. إنه شهيد.

يصل جثمانه في الصباح عبر موكب من السيارات العسكرية وباصات الجيش ووسيارات المخابرات والشبيحة.. موكب معسكر بكل ما للكلمة من معنى … محاولة من النظام لإرهاب الأهالي ومنعهم من التظاهر من أجل شهيدهم ..  ولكن الأهالي يتحولون صوتاً واحداً .. بالروح بالدم نفديك يا شهيد .. ويمضي التشييع .. تشييع الشهيد كان ترياق حياة لتلك الحناجر المختنقة ..هانحن ثانية نلتقي ايتها الحرية .. الله أكبر ،حرية.

بعد هذا التشييع الحاشد وبعد فشل الأمن والشبيحة في سرقة الشهيد تشهد مصياف حالة من التوتر غير المسبوق .. استدعاءات واعتقالات .. وفي مساء اليوم التالي للتشييع  يقتحم الأمن والشبيحة المدينة ويمارسون كل أنواع التشبيح .. ضرب واعتقالات عشوائية وتكسير لعدد من المحلات .. إطلاق رصاص .. شهيد وجرحى .. وأخيراً، عاشت مصياف يوماً درعاوياً

يمر الوقت، يزداد التوتر، يشاغب الفيسبوكيون، تزداد وقاحة الشبيحة، يستشهد الأهل في سورية ويقتحمها الجيش .. وبانتظار حدث آخر .. الأهل في مصياف .. والحناجر تواقة .. لتبل حلقها الجاف بنشيد حرية.