مداخلتي في حوار موقع هلوسات مع الأستاذ ياسين الحاج صالح

643972_364377473641014_2048018040_nموقع هلوساتمداخلتي – حازم السيد :

تحية لكل المشاركين، وأرجو قبول تطفلي على هذا الحوار.

وأتمنى ألا أكون متأخراً، فقد عرفت بالحوار منذ بضعة أيام فقط ولم أتصفح الحوار إلا منذ ثلاثة أيام، في البداية أود أن أعبر عن غيرتي من البرود العقلاني الذي تتمتع به مقالات الأستاذ ياسين الحاج صالح وعن إعجابي بروحه “التفاعلية”.

في جعبتي تساؤلات كثيرة، سأحاول كبح نفسي والاكتفاء بالقليل.

“الحل غير موجود” .. ولكن ألا ينبغي أن يكون موجوداً ولو أدلوجياً:

من الحوار

ضمن هذا الحوار اعتبر أبو كفاح أن جهودك الثقافية تصب في سياق التبشير بأدلوجة جديدة هي “اليسار الديمقراطي” وكان تساؤل حسام وهو الأهم -برأيي- عن اعتكاف الشباب عن المشاركة والأهم من ذلك هو ربط حسام بين هذا الاعتكاف من جهة وبين غياب الأفكار اليوتوبية وإفلاس المنظومات الأدلوجية من جهة أخرى. وأعتقد أن أكثر الكلمات تواتراً في هذا الحوار هي : ياسين ، الحاج ، صالح ، التغيير.

من التاريخ

باعتبار أن العديد من مقالاتك ومن نشاطاتك تعتبر في جوهرها محاولة لنشر فكرة “الحل غير موجود” واستبدالها بفكرة “الحلحلة” أو “تحويل المشاكل إلى مسائل”

والتي أفهمها على أنها محاولة لنشر مفاهيم الفلسفة الليبرالية وبالأخص الفلسفة النفعية منها والتي تعمل على استبدال فكرة التقدم النوعي بفكرة التقدم الكمي والتي تنبذ اليوتوبيا وترفض أمثَلة الإنسان وترى فيه “نفساً أمارة بالسوء” وتسعى كما يقول الياس مرقص-في معرض حديثه عن الجهاد- إلى الجهاد ضد النفس.

باختصار الفلسفة الليبرالية النفعية تعادي التغيير الجذري ولا تسعى إلى “تغيير العالم” وإنما إلى تحسين الأفراد من وجهة نظر اجتماعية.

تساؤلات

ويمكن أن نقول أن المنظومة هذه تناسب المثقف الذكي كريمون آرون في فرنسا الجمهورية الخامسة ولكن هل يمكن لماركس “الشاب” كمثقف ذكي أن يتبناها في ألمانيا التي تعيش نهاية عصر فيودالي وتعاني مخاضات الانتقال إلى عصر تتم رسملته رويداً رويداً.

والأهم هل يمكن للمثقف والسياسي السوري –أو العالم الثالثي بشكل عام- الاستفادة من الفلسفة الليبرالية النفعية في ظروف درامية كالظروف التي يعيشها حالياً من اقتصاد معولم (بالمعنى الذي يوضحه د. صادق جلال العظم في مقالته “ما العولمة؟” المنشورة في مجلة الطريق) وسلطات قمعية ودول بيروقراطية قائمة على حكم الحزب الواحد ومجتمعات تشكلها البنى الما قبل وطنية ومؤسسات علمية مهترئة وتراث ثقافي لم تتم محاكمته ونقده وإجراء قطيعة منهجية معه (بالمعني الذي يبلوره العروي في مجمل كتاباته وخاصة “العرب والفكر التاريخي”)؟

أوليست مهمة صياغة يوتوبيا (أدلوجة) عالم- ثالثية هادئة عبر النقد الأدلوجي للأدلوجات الأخرى أجدى اجتماعياً وتاريخياً ؟

أو بالأحرى -وبصيغة رمزية- ألا يجب العودة إلى “ماركس الشاب” كملخص للثقافة الأوروبية؟

ألا تمتاز مهمة نشر مفاهيم الفلسفة الليبرالية النفعية بالثقافوية الغير مجدية اجتماعياً؟

ألا يمكن اعتبار هذه المهمة ابتكاراً كابتكارات الطب النبوي لا يشفي (ولا حتى شفاء تدريجي) وإنما يمنح من يتعاطاها راحة نفسية ترفع من عتبة الألم فقط؟

وفي النهاية ألا يمكن أن نطلق على هذا المثقف مقولة “مثقف خارج السياق” –مع أسفي على لؤم التعبير-؟

في جعبتي الكثير من الأسئلة الأخرى ولكنني سأكتفي بهذا القدر خوفاً من الأثقال على الأستاذ ياسين الحاج صالح وعلى أعضاء المنتدى

وشكراً

بعد أن كتبت هذا الرد أخذت أفكر فيه، أحسست نفسي لئيماً، وبعد مناقشة البدائل وتدوير المسألة أكثر في رأسي أدركت أني لئيم.

ما أود قوله أنه ليس المثقف -أو مثقف- وحده خارج السياق وإنما الثقافة هي خارج السياق. أعتقد أنه عصر العبث والعدمية بامتياز أو قد تكون هذه هي مجرد رؤية ذاتية صادرة عن شخص سكران بشكل مزمن مثلي؟

مع تحياتي

رد الأستاذ ياسين الحاج صالح:

يمكن كانت نية حازم لئيمة، بس ماني شايف لؤم بالشي اللي كتبو. وعلى كل حال أنا من جماعة إنما الأعمال بالمحصلات، تارك حساب النيات على أصحابها وعلى الله.

برأيي في تعسف كبير إنو ينرد شغلي لفكرة “الحل غير موجود” اللي فهمت أيضا على غير وجهها الصحيح. كان القصد علمنة تفكيرنا، بنقد التفكير الخلاصي أو المهدوي، الذي ينسب إلى الثورة أو التغيير خصائص سحرية أو فردوسية من النوع الذي يأمله المؤمنون يوم الحساب. والذهنية الخلاصية التي ترى ما بعد الحل نعيما موصولا صافيا، لا ترى في الواقع الذي تعيشه إلا شرا موصولا محضا، فلا تبذل جهدا لمعرفته ولا لحسن الوجود فيه ولا لتطوير أخلاقية تضامن بين الناس في ظله ولا لبلورة سياسات إصلاحية لمواجهة أسوأ عيوبه. منشان شو نعذب حالنا؟ بكرة تجي الثورة الاشتراكية أو الدولة الإسلامية أو الوحدة العربية أو ما بعرف شو وتنحل هالمشاكل كلها! لكن منين بالله بدها تجي الثورة والدولة والوحدة..؟ وإلى حين يجو، وصار لنا نستنا المجيء الميمون من يوم ما وعينا بدون ما نعمل شيء آخر، تتدهور مادتنا البشرية نحن اللي مقضين أعمارنا ناطرين، أو مختزلين حالنا لمبشرين بمجيئ المهدي. لا معرفة ولا سياسة ولا أخلاق ولا كيان… ناس عايشين الحياة بالوكالة، نواب فاعلين مؤبدين، بل نواب كائن دائمين. وجودنا هش ومن الدرجة الثانية. أما الوجود الحقيقي واللي من الدرجة الأولى فهو اللي رح نتمتع فيه ذات يوم، معادل دنيوي لما بعد يوم القيامة وللحياة الحقيقية الأبدية اللي رح ينعم بيها ألله على عباده الصالحين.

شكرا. أنا ما بدي.

وماني بياع خلاص ولا عندي ترياق أو أفيون، ولا “خريطة طريق” للوصول إلى “الثدي الأعظم”. ومانك محتاج لي أو لأي حدا، حازم، إذا بدك الحل “يكون موجودً ولو أدلوجياً”.

اللي اقترحو هو شيء أقل قيامية وطوباوية لكنه يحتاج إلى شجاعة أكبر وصحو أكبر: الإقبال على العالم الذي نعيش فيه لكونه العالم الوحيد.. والتدرب على مواجهة صعوباته وتحدياته والتمرس بمواجهة قيوده وسجونه المتنوعة. هذه هي الحرية في نظري: التمرس بمصارعة أغلالنا وتطوير أهليتنا على الفعل في الواقع الذي نعيش. ونكون كسبنا كل شيء إذا تولينا هنا والآن ما يقع على عاتقنا من مسؤوليات معرفية وسياسية وأخلاقية ووجودية. ولن نكسب شيئا بقضاء العمر في انتظار الخلاص أو إيهام أنفسنا بالنضال من اجل “تغيير العالم”.

ومنشان أكون واضح. ما عندي مشكلة مع كلمة الحل، ورح أضل استخدمها طبعا. ولو اللغة العربية تسمح لكان الحل اللي أنا ضدو هي اللي ينكتب بالحرف الكبير، اللي هو مفتاح سحري أو إكسير يحول نحاس الواقع إلى ذهب الخلاص.

وبالمناسبة، تخدم الذهنية الخلاصية المشدودة إلى “الحل” الإسلاميين أكثر من غيرهم. موقفك متهافت حين ترفض أن الإسلام هو الحل بينما أنت تسعى وراء شيء آخر كبير هو “الحل”. الترياق أو الخلاص. بذهنية دينية لا يفوز في النهاية إلا الدينيون. و”الطب النبوي” الذي “لا يشفي” لكنه “يمنح من يتعاطاه راحة نفسية” هو بالضبط الخلاص الذي تحلم به على شكل طوبى “عالم ثالثية هادئة” ربما تمنح شعورا بالانتماء إلى قبيلة كبيرة، وقد تقنع العاجزين عن حب أحد حولهم بأنهم إنما يحبون معذبي الأرض عموما.

لهيك شوي شوي تطور عندي تحفظ كبير على تاريخانية العروي اللي يحكي بالفعل على التاريخانية كخلاص وكترياق. قبل فترة قصيرة رجعت قريت “الإيديولوجية العربية المعاصرة” و”العرب والفكر التاريخي”، ولقيت حالي كتير بعيد عن خلاصات العروي اللي كنت ولا أزال أحترمه وأحبه، واللي هو واحد من عدد قليل جدا من الكتاب اللي كان إلهم تأثير مكوِّن وحاسم عليّ.

العروي بالمناسبة متحمس لليبرالية مثل ما مفترض أكون أنا. يعني يصح عليه تماما أن يتولى مهمة “نشر مفاهيم الفلسفة الليبرالية النفعية بالثقافوية الغير مجدية اجتماعياً” اللي تفضلت بنسبتها إلي. وماركس الذي يرتاح إليه العروي ليس هو ماركس الشيوعي، وإنما ماركس ليبرالي وإنسانوي.

عندي تعليق زغير كمان بخصوص “الفلسفة الليبرالية النفعية” التي “تعادي التغيير الجذري ولا تسعى إلى “تغيير العالم” وإنما إلى تحسين الأفراد من وجهة نظر اجتماعية”. الغريب أني كتبت كم مرة من حوالي سنة لليوم ضد النفعية. ودافعت عن الثقافة والفلسفة اللي لا نفع لهما. عندي تقدير أنو ما بيكفينا الشغل السياسي لمعالجة مشكلاتنا، بدنا كمان شغل أساسي. والصفة الأبرز للشغل الأساسي انه لا ينفع. أنه عمل على الكائن والحساسية والمعرفة، يعني على ما يقع وراء المنفعة أو تحتها. وأتصور أن هذا ممكن يتكون عبر الصراع مع الدين، الاشتباك الفكري والنفسي والسياسي والثقافي مع مجمل تجليات الظاهرة الإسلامية. شيء معادل لعصر النهضة الأوربي إذا بدك. الليبرالية لذلك لا تكفي. وشعوري أنو كلام العروي عليها ما بيختلف مبدئيا عن كلام الشيوعيين على الماركسية ومشاريع “تغيير العالم”.

تحويل المشكلات إلى مسائل قصة ثانية يمكن ما توضحتلك، حازم. يجوز ما اطلعت على مواد تناولت أنا فيها بتفصيل أكبر هالنقطة. الفكرة أنو المشكلات لا تقبل الحل. لأنها أوضاع مشوشة داخلة ببضعها، يعني لأنها تتكون من تعقيدات واقعية ومن تشوش إدراكي أو افتقار من قبلنا للأشكال اللي تنظم إدراكها. المشكلات هي أوضاع لا شكل لها. لازم أول شي تنظمها وترتبها، بأنو نزودها بأشكال أو صور. هيك نحولها لمسائل، يعني لأوضاع ممكن تكون صعبة لكن معالجتها صارت مسألة وقت وجهد ومثابرة. المسائل تقبل الحل، وبس صار عندنا مسائل صارت الحلول ممكنة. هالكلام يقع في نطاق نظرية المعرفة. وهو يعطي أهمية كبيرة لمفهوم الواقع ولتنظيم التفكير وانضباطه. ويتوافق مع سحب الثقة من المذاهب الجاهزة والإيديولوجيات أيا تكن.

ضل الكلام على مثقف خارج السياق اللي حسيت إنت إنها غير لائقة وحاولت تخففها. ما في داعي للتحفيف. عم نتحاور بقضايا عامة، وما لازم يكون في حد للنقد، ما دام حق النقد الممنوح لأحدنا ممنوح للآخر بالقدر نفسه.

أنا خارج أي سياق، يا ترى؟ سياق الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي السوري؟ ربما. لكن قل لي لأعرف إن كنت داخل السياق أم خارجه: كيف تعرف هذا السياق؟ ومن تضع داخله؟ وماذا يلزم للدخول فيه؟ وهل لا مناص من أن يكون “الحل” “موجودا ولو أدلوجيا” أو من “أدلوجة عالم ثالثية هادئة” من أجل الدخول في السياق؟

واسمح لي أخالفك. لا العصر “عصر العبث والعدمية بامتياز” ولا “الثقافة [ككل] خارج السياق”. هذه فتوى للجلوس على الخط وللخروج من كل سياق. وهي ليست منفصلة أبدا عن تعويلك على “الحل” ودعوتك لـ”إدولوجة عالمثالثية هادئة”، وكلامك غير الجدي في تصوري عن تغيير العالم والتغيير الجذري. أقول غير الجدي لأنه لا شيء في تدخلك يوحي بأنك قابض هالكلام عن جد، أو إنو عزيز عليك فعلا، أو إنو عندك شغف حقيقي بهالاتجاه. ليش مع ذلك عم تحكيه؟ عندي تخمين أنك استخدمت هالمدركات كشعارات ورموز، مو كمفاهيم تفسيرية ولا كخطط عملية. يعني كشيء يستخدم لتمييز المتكلم وبناء هويته في مواجهة خصم متصور. يعني كمان شيء له علاقة بسياسة الهوية ولوازمها، لا بالمعرفة ولا بالعمل. ماركس مجرد شعار لتعريف حازم. ويمكن تعريفو خلال هالحوار فقط. ما بعرف إذا ماركس رح يلزم حازم بعد هالحوار.

ردي:

في البداية لا بد لي من التعبير عن الانطباع الأول لقراءتي هذا الرد والذي يتلخص في إحساس بالإجحاف تجاه نص السؤال الذي طرحته (أنا) وإحساس بظلم السؤال من خلال تمرير كلام لا علاقة له بنص السؤال وخاصة الكلام المتعلق بالحلول السحرية والترياق والإكسير وما إلى ذلك من حلول مهدوية.

النقطة الأولى :

هدف السؤال: بداية الحوار هي الواقع و تساؤلاته وهدفه إما كشف زيف هذه التساؤلات وإما الإجابة عن هذه التساؤلات أو تصعيد هذه التساؤلات للوصول إلى السؤال الصحيح و يمكننا القول بصيغة تجريدية أن هدف الحوار هو مقاربة الحقيقة، فالحوار ينطلق من الواقع إلى الفكر عبر التساؤل ليتأرجح بين الواقع والفكر عبر الجدلانية ليعود بعدها إلى الواقع عبر العمل.

إن اتفقنا على صحة هذه السطور يمكنك أن تعتبر أن سؤالي هو عبارة عن “تصعيد للتساؤلات للوصول إلى السؤال الصحيح”.

أيّ الرؤى التي يجب أن تحكم عمل المثقف ؟

رؤية تطالب بتغيير العالم (الفلسفة الماركسية التاريخانية الإنسانوية) ؟

أم رؤية تطالب بتغيير الأفراد (الفلسفة الليبرالية النفعية )؟

هل يمكن اعتبار هذه السياقات التي يعيشها العالم الثالثي (والتي شرحتها في نص السؤال الرئيسي) مناسبة لتغيير الأفراد ؟؟؟ والتي أفهم أنها أحد محاور نشاطك الثقافي.

لم أطالبك بحلول خلاصية ولكن تساءلت عن مدى جدوى “الحلحلة” التي تطرحها أو “العلمنة الفكرية” التي تمس فكر الفرد وأضيف تساؤلاً عن مدى ضرورة وجود أدلوجة عالم ثالثية هادئة تكسر حالة اقتصار العمل السياسي والفكري و الثقافي على “الختايرة” وتكسر حالة “اعتكاف الشباب العالم الثالثي” عن العمل السياسي والفكري والثقافي.

النقطة الثانية :

التباس مفاهيمي : على ما يبدو أن النفعية مرتبطة لديك بالميكافيلية بالمعني الضيق للكلمة وليس بالبعد الرحب لهذه الكلمة أي المفهوم المعاكس لمفهوم الاغتراب بالمعنى الماركسي للكلمة.

هل علمنة الفكر مقتصرة على علمنة فكر الفرد أم على أساس علمنة فكر المؤسسات.

النقطة الثالثة :

الثقافة وليس المثقف خارج السياق : الكلام الأخير عن تخفيف اللؤم وأن الثقافة خارج السياق وليس المثقف أو مثقف ليس كلاماً مجانياً وقد وضحت السياق (وبشكل مبسط) في الكلام عن الاقتصاد المعولم وسلطات قمعية ودول بيروقراطية قائمة على حكم الحزب الواحد ومجتمعات تشكلها البنى الما قبل وطنية ومؤسسات علمية مهترئة وتراث ثقافي لم تتم محاكمته ونقده وإجراء قطيعة منهجية معه. هل يمكن لك أن تعتبر أن تغيير النفوس وفكر الأفراد في سياق دولة تسلطية و .. فعال!

أولا ترى أن تجربة الرشوة الأولى التي يتعرض لها المواطن السوري ذات وقع أقوى من عشرات مقالات الكتاب التي تدعو إلى الاتساق.

رد الأستاذ ياسين الحاج صالح:

ما بعرف وين أنا طرحت “الحلحلة”، أو وين أعطيت الأولوية لتغيير الأفراد أو “النفوس”، اللي ما بعرف كمان أنو هو الشغل الشاغل “للفلسفة النفعية الليبرالية”، اللي ما بعرف بعد هذا كلو وين أنا دعيت لها أو كيف شغلي يصدر عنها. يعني حازم عم يحطني ضمن منظور غريب علي وما بتعرف على حالي فيه. ما قصدي أنو شغلي هو بالواقع عكس ما افترض حازم. قصدي إنو شغلي خارج هالمعادلات، ولا اقبل الافتراضات الضمنية بأسئلة حازم، من نوع أنو نقد “الحل” بالمعنى الخلاصي يعني الترحيب بـ”الحلحلة”، وأن عدم الصدور عن عقيدة تغيير العالم يعني منح الأولوية لتغيير الأفراد، وأن “الحوار ينطلق من الواقع إلى الفكر عبر التساؤل ليتأرجح بين الواقع والفكر عبر الجدلانية ليعود بعدها إلى الواقع عبر العمل”.

يعني هذه تقديرات متمركز حول معتقدية ماركسية من نوع ما. معتقدية أو دوغما تفترض أن الناس جميعا يطرحون الأسئلة نفسها، لكن إجاباتهم وحدها هي المختلفة. هي كمان دوغما ماركسية تقول لك إذا ما كنت مادي بتعريفها هي للكلمة فأنت مثالي، وإن لم تكن شيوعيا فأنت ليبرالي، وإذا ما كنت هيك فإنت حتما هيك. عجبك عجبك، ما عجبك اصطفل. شو إنت أفهم من ماركس!

ما عجبني. وماركس الله يرحمو ما إلو علاقة بهالحكي.

كمان ما بعرف منين استشف حازم أنو كلامي عالنفعية مرتبط “بالميكافيلية بالمعني الضيق للكلمة وليس بالبعد الرحب لهذه الكلمة أي المفهوم المعاكس لمفهوم الاغتراب بالمعنى الماركسي للكلمة”. إذا رجعت لردي السابق ما رح تلاقي ما يبرر هالكلام. أقصد بالنفعية المقاربة التوظيفية أو العملية للثقافة والفكر. الغرض من نقدها هو الدفاع عن استقلال الثقافة والمعرفة والفلسفة عن السياسة والتطبيق. استخدمت مرات عبارة قصدت منها مصادمة وعي القارئ: الثقافة لا نفع لها.

إذا لم تستقل الثقافة بنصاب خاص عن السياسي والممكن والعملي، والاقتصادي كذلك، وعن الإيديولوجية واعتباراتها، فسيكون من الميسور أن يستتبعها الديني وقوائم أوامره ونواهيه ومحرماته وإلزاماته. الثقافة الضعيفة الشخصية أمام الإيديولوجي والسياسي والسوق لن تكون قوية الشخصية أمام الديني، ولن تصمد في وجهه.

لا يلزم من هذا أن السياسة والنشاط العملي بلا قيمة.. قسم كبير من شغلي سياسي بصورة ما. لكن أوضاعنا تحتاج في تقديري إلى المزج بين شغل سياسي يدافع عن العدل هنا والآن، وبين شغل أساسي أو تأسيسي يوسع مجال الثقافة وقضاياها ولا يرهن ذلك بأية مردودات سياسية أو اجتماعية قريبة. يعني يمكن يكون النهج السليم هو نشتغل سياسة كأنو ما عندنا مشاكل ثقافية أساسية، ونشتغل ثقافة كأنو ما إلنا علاقة بالسياسة والعمل السياسي المباشر.

 

باعتقادي أن الإيدلوجيا العالم الثالثية، هادئة أو صاخبة، لا تنشأ حسب طلب الشباب. هذا غير أن مفهوم العالم الثالث لم يعد له أي معنى. نحن اليوم في عام2010 وليس في 1977 أو 1955.

قضية انخراط الشباب بالعمل العام مهمة، بس خلينا نفصلها عن الطوبى الجاذبة المعبئة. مو بس لأنو ما في مصانع للطوبى، ولا يوصى عليها من صانعين مختصين بها، ولكن كمان لأن المثال الطوباوي الجاذب ليس الشكل الوحيد في تقديري لاهتمام أوسع من قبل الشباب بالقضايا العامة. يعني يمكن تكون المشكلة بنموذج مضمر بتفكيرنا عن دور الشباب بالعمل العام، هو النموذج الشيوعي: لينين والاتحاد السوفييتي وبعدين كوبا وغيفارا وفيتنام وأغاني الشيخ إمام ومارسيل خليفة… هذا كلو انتهى. وبدل الحنين إليه خلينا نشوف شو نعمل بظروفنا الجديدة.

ويمكن على كل حال الشباب عم يشقوا طريقهم حاليا، بجلبة وفوضوية، لصيغ جديدة من العمل العام، وبدون طوبى. وبفضل التقانات الجديدة عم تنقلب علاقة المعلم/ المتعلم بين الأجيال، فيصيروا الأصغر معلمي الأكبر، ويمكن هذا يعطي معنى جديد للعام، ويصنع عالم أكثر شبابا. وعندي حدس كمان إنو بفضل التقاء هالتقانات مع الحس الأخلاقي للشباب ومع الأزمة الاجتماعية والروحية والسياسية والبيئية للعالم المعاصر، يمكن يتشكل عام عالمي أو أممي إذا بدك. ومن يدري، يمكن بعد كل شيء تتشكل طوبى تحررية عالمية جديدة.

 

لا أستطيع أن أتصرف على أساس أن الثقافة خارج السياق. شايف كويس إن الثقافة منقطعة التأثير على حياتنا الاجتماعية والسياسية، وأن قاعدتها الاجتماعية ضيقة ومحدودة. لكني أتوهم أن عرضا ثقافيا معقولا يخلق طلبا نشطا عليه ويوسع قاعدته. ولا أنظر للعولمة والدولة التسلطية والبنى ما قبل الوطنية والتراث على أنها حدود للثقافة، بل هي مواضيع يتعين أن تشتغل الثقافة عليها، فتنزع كتامتها وتجعلها شفافة. يعني تصير ثقافة. بدل ما نقضيها تفجع على خروج الثقافة من السياق خلينا نحاول معرفة هالسياق والتدخل بتشكيلو بحيث يكون للثقافة مكان فيه.

الأمر صعب؟ ربما. لكنه كان صعبا دوما.

 

تجربة الرشوة الأولى أقوى وقعا من عشرات المقالات التي تدعو للاتساق! لو كانت المقالات تدعو لشيء آخر، أكان من المحتمل لوقعها أن يكون أقوى؟ هل “وقع” المقالات الضعيف متولد عن مضمونها “الداعي للاتساق” مرة والنافي وجود “الحل” مرة، أم ربما لبنية اجتماعية واقتصادية وسياسية مبنية على إخراج المقالات، والثقافة عموما من “السياق”، وبنائه بالمقابل على الرشوة والمحسوبية؟ إذا كان الأمر الأخير فإنه لن يكون للمقالات (أيا يكن ما تدعو إليه) ولا لكتاب الرأسمال لماركس وقع يذكر.

للأمر علاقة بسلم القيم الاجتماعية، وبخاصة بموقع العمل وقيمة العمل فيه. منذ سبعينات القرن العشرين انهارت قيمة العمل في سورية، ولم يعد مصدر دخل محترم أو قناة ترق اجتماعي مضمونة أو مصدرا للتحقق الشخصي. الرشوة نتاج لهذا الوضع وسبب لاستمراره في آن. وحين لا قيمة للعمل فمن غير العدل لوم المقالات الداعية للاتساق على ضعف وقعها.